الملكُ و الامنيةُ الغالية

يحكى أنه في قديمِ الزمان هناك ملكٌ بخيلٌ جداً يُدعي ” ميداس ” ، كان هذا الملك يحبُ المالَ والذهبَ بطريقةٍ جنونيةٍ، فقررَ أن يقومَ بجمعِ وتخزينِ الكثير من الذهبِ في خزانته الكبيرة ، ولكنه رغمَ ذلكَ لم يشبع منه وأصبحَ يطلبُ المزيدَ والمزيدَ دائماً، حتى قامَ ببناءِ مخزنٍ كبيرٍ وقررَ أن يقومَ بوضعِ كلّ الذهب الذي في مملكته به .

وفي يومٍ من الايامِ بينما الملكُ جالساً في المخزنِ  ينظرُ حوله إلى أطنانِ الذهب اللامعة الرائعة، ويستمتعُ بشكلها البرّاق، إذا به يمسكُ بفانوسٍ ذهبيٍ قديم ، ويقوم بدعكهِ قليلاً، خرجَ له ماردٌ عظيمٌ عملاقٌ وقال للملكِ : يا سيدي أنا خادمُ هذا الفانوس، وسوف أحقق لكَ أمنيةً واحدةً فقط ،فأطلب مني ما شئت أنا خادمك .

وبدون أن يفكرَ الملكُ كثيراً أجابَ بسرعةٍ وهو في قمة الحماس والسعادة : أيها المراد، أريدُ أن يتحولَ كلّ شيء ألمسهُ بيدي إلى ذهبٍ، قال له المارد : هل أنت متأكد من هذا الطلب؟  ردّ الملكُ على الفور وهو يلهث لمجرد تخيل الفكرة : طبعاً طبعاً أنا متأكد جداً من طلبي ورغبتي .

فقال له المارد : من صباح الغد ومع شروق الشمس ستجد  كلّ شيء تلمسه يتحول فوراً ذهباً .. قضى الملكُ ليلتهُ فرحاً غيرَ مُصدقاً أن أمنيته ستحقق وسوف تتحولُ كلّ حياته إلى ذهباً برّاقاً لامِعاً .. لم يستطع النوم ليلتها وظلّ مستيقظاً حتى الصباح منتظراً شروقَ الشمسِ على أحرِّ من الجَمر، غلبهُ النوم لمدة خمسة دقائق فقط ليستيقظ الملك وقد تحول فراشهُ ووسادته وملابسه إلى ذهب .

انتفضَ الملكُ من فراشهِ غير مُصدقٍ ما يحدث، فذهبَ مُسرعاً إلى نافذةِ غُرفته فوجد ابنته الاميرة الصغيرة تلعبُ في حديقةِ القصر، فقررَ أن يخبرها بهذه الهبة الرائعة التي اعطاها له المارد، ذهب إلي حمام القصر ليغسل وجهه وجسده، إلا انه تفاجئ أن الماء قد تحول إلي ذهب، خرج من الحمام متعجباً وذهب إلي غرفة الطعام يتناول فطوره، ولكن بمجرد أن لمس الطعام والفواكه وحتي كوب الماء تحول كل شئ إلي الذهب .. شرع الملك بالجوع والعطس وقال في نفسه : الآن أنا لا استطيع أن آكل او اشرب الذهب فماذا أفعل ؟!

وقبل أن يجد الملك الإجابة، دخلت عليه ابنته الجميلة تجري لتحتضنه كعادتها، وبمجردِ أن لمستهُ تحولت إلى تمثالٍ من الذهب، واختفت ابتسامةُ الاميرة الجميلة .. احنى الملك رأسه إلى الأسفلِ وبدأت دموعه تنهمرُ وقد أحسَّ بنتيجة ما فعل وبالخطأ الذي ارتكبه .

جاءَهُ الماردُ ليسأله إن كان سعيداً بهذه الهبة العظيمة والثورة الرائعة، فقال له الملك البخيل في حزنٍ شديدٍ : أنا أتعس إنسانٍ على وجه الأرض، فابتسم الماردُ وسأله : هل علمت الآن أيهما أغلى ابنتك الجميلة والطعام أو كنوز الدنيا من الذهب والمال ؟ اشتد بكاءُ الملكِ وطلبَ من الماردِ أن يسامحه على جشعة وطمعه وأن يعيد له ابنته ،ووَعَدَه أنه سيتخلص من كل هذا الذهب المتراكم في مخزن القصر وأنه سيوزعه على الفقراء والمحتاجين، فقال الماردُ للملك : الآن أصبحت أكثر حكمةً ومقدرة على حكم البلاد، وقد تعلمت درسك جيداً، ، ورجعت حياة الملك والابنة الجميلة من جديد، فاحتضنها الملك بشدةٍ وقد تعلمّ درساً لن ينساه طوال حياته .

 

الرزقُ الحلال

يُحكى أنه كان هناك راعي أغنامٍ بسيطٍ اسمهُ كريم، وكان يرعى أغنامَ أحد الاغنياء، ويأخذُ جزاءَ علمهِ أُجرته اليومية خمسة دراهم، وذاتَ يومٍ استدعى الرجل الغني الراعي وأخبره أنه ينوي بيعَ الاغنام في أقربِ وقتٍ لأنه سيسافرُ خارجَ البلادِ، وأعطى الراعي مبلغاً كبيراً من المالِ نظير خدمته له ورعايته لأغنامه طوال سنوات، إلا أن الراعي كريم رفضَ أن يأخذَ هذا المبلغ قائلاً : أرجوكَ لا تحرجني يا سيدي، لقد أخذتُ نظيرَ عملي أجرتي اليومية ولن آخذ غيرها .

تعجبَ الغنيُ من تصرف الراعي، وأعجبَ كثيراً بأخلاقه ورضاهُ، فدعا له بزيادةِ ماله والبركة فيه. وهكذا سافرَ الغنيُ تاركاً الراعي المسكين بدون عملٍ أو مالٍ يقتاتُ به حتى يجدَ عملٍ جديد.

بدأ الراعي يبحثُ عن عملٍ جديدٍ على الفورِ حتى وصلَ إلى قريةٍ وجدَ فيها أناساً مُتجمهرينَ أمامَ تاجرٍ كبيرٍ يبدو عليه الفخامة والغنى، فاقترب الراعي من الناسِ وسألهم عن سبب تجمهرهم أمامه؟ فأجابه أحدهم : هذا التاجرُ الغنيُ يعطيه الناس كل ما لديهم من أموال فيسافرَ ويتاجرُ بها ويجلبُ لهم المزيدَ من البضائعِ والارباح العظيمة .

فكّرَ الراعي قليلاً، ثم قررَ أن يذهبَ إلى التاجرِ ويُعطيه الخمسةَ دراهم التي يملكها وكانت هي آخر خمسة دراهم أخذها من عمله، وطلبَ من التاجرِ أن يأتيه بأرباحٍ ويشتري له شيئاً ينفعه ويتاجر به، نظرَ التاجرُ إلى الراعي وقرأ في عينيه الصدق والوفاء فقالَ له : لكَ ما تُريد .

سافرَ التاجرُ وبدأ يتاجر في أموال الناس ويشتري لهم ما يطلبون ولم يُبقي معه سوى خمسة دراهمٍ للراعي، فرأى قطاً سميناً أراد صاحبه أن يبيعه لأنه يأكل كثيراً، فاشتراه التاجر وعادَ إلى بلاده، وفي الطريق مرَّ على قريةٍ ورآه سكان القرية وبيده القط، فطلبوا منه أن يبيعهم إياهُ حتى يخلصهم من الفئران التي تأكل محاصيلهم، وانهم على استعدادٍ لشرائه بوزنه ذهباً، فوافقَ التاجرُ وعادَ إلى بلدهِ وأعطى لكلّ شخصٍ أمانته، ومنه ضمنهم هذا الراعي ، ثم طلبَ التاجرُ من الراعي  واستحلفه بالله أن يُخبرهُ سر الخمسة دراهم هذه، فقص عليه الراعي ما حصلَ معهُ ودعاءُ الغني له، فقال له التاجر : عَوّضَكَ اللهُ خيراً لأنكَ رضيتَ برزقكَ الحلال ولم ترضَ زيادةً على ذلك، وأعطاه الذهب الذي كان ثمنُ القطِ، حتى أصبح الراعي من أغنياء البلدة ، بعدَ أن عمل بالتجارة والرزق الحلال .

حُلُم الكتكوت الابيض

كانت أشعةُ الشمسِ تملأُ الحظيرةَ، والدجاجُ يلتقِطُ الحبوبَ، بينما كانت الكتاكيتُ تجري هنا وهناك وهي تصوصو وتفرد أجنحتها الصغيرة الملونة. وبعدَ أن شبعَ الدجاجُ وتعبت الكتاكيتُ من الجَري، رقَدَ الجميعُ تحتَ أشعةِ الشمسِ الدافئةِ. أما الكتكوتُ الأبيض فقد وقفَ خلفَ السِلك وهو يرقب بقرةً تقفُ  في الحظيرةِ المقابلة. كانت تلك هي عادته كلَّ يومٍ، فما أن ينتهي من التقاطِ بعض الحبوب حتى يتسلَلُ متأملاً البقرةَ الضخمة بإعجابٍ شديدٍ وهو يُقارِنُ بينَ رأسها ورأسه، وبين جسمها وجسمه، ثم يقولُ لنفسهِ: – كم أنا صغيرٌ بالنسبةِ لهذه البقرة؟ لو أنها لمستني بقدمها سأموتُ في الحال.. تُرى ما سبب كِبَرِ حجمها؟ لابد أنها تأكل كثيراً .. نعم .. هذا هو السبب، الأكلُ مفيدٌ للجسمِ كما تقول أمي .

مرةً أخرى أخَذَ الكتكوتُ الابيض يتأملُ البقرةَ وهي تأكلُ ،ويتأملُ فمها الواسع وأسنانها الكبيرة، وعينيها الواسعتين وقال لنفسه : إنها تأكلُ كثيراً وهذا هو سبب ضخامة جسمها.. إذا أردتُ أن أصبحَ مثلها عليَّ أن آكلَ وآكلَ وآكل. وهروَلَ الكتكوتُ الابيض وأخذَ يلتقطُ الحبوبَ بشراهةٍ حتى امتلأ بطنهُ ولم يستطع التنفس ،فَرَقَدَ وهو يلهثُ ويقول: – لن أصبحَ مثل البقرة.. لكن أكبر مثلها فانا لم ألتقط إلا بضع حباتٍ ملأت بطني بينما تأكلُ البقرةُ طوال النهار. شاهدته أمه وهو يرقِدُ حَزينا فاقتربت منه وسألته عن سبب حُزنه، فرفعَ رأسهُ وهو يلهثُ وسألها: – كيف أصبح في حجم البقرة يا أمي؟؟

ضحكت الدجاجةُ وقالت: ولماذا البقرة بالذات يا كتكوتي الحبيب ؟؟ قال الكتكوت:  لأن البقرةَ كبيرةٌ وقويةٌ.. وعندما تُصدرُ صوتاً أُصابُ بالخوف فقالت الدجاجةُ: يا كتكوتي العزيز.. لقد خلقنا اللهُ في أشكالٍ وأحجامٍ مختلفة.. وإذا كنتَ أصغر من البقرةِ فأنتَ أيضاً أكبر بكثيرٍ من النحلةِ وأكبر من الفراشةِ وأكبر من النملةِ. فقال الكتكوتُ وهو يضربُ الأرضَ برجله الرفيعة – اذا كنتُ أكبر من الفراشةِ والنحلةِ فإن البقرةَ أكبر مني وأنا أريدُ أن أكونَ مثلها.. أه يا أمي.. بطني تؤلمني، فاحتضنته الدجاجةُ بجناحها وهي تقول: بطنكَ يؤلمكَ لأنكَ أكلتَ أكثر مما يجب.. إياكَ أن تفعلها مرةً ثانية ًوحاول أن تنامَ قليلاً ، ستستيقظ وأنتَ في خيرِ حالٍ.. هيا يا كتكوتي الحبيب.

وأغمضَ الكتكوتُ عينيه، وبعدَ لحظاتٍ كان يغرقُ في النومِ. انسحبت الدجاجةُ بهدوءٍ وراحت تلتقطُ بعض الحصى الذي يُساعدها على هضم الحبوب. وفي نومه رأى الكتكوتُ الأبيضُ حُلماً غريباً.. فقد شاهدَ نفسهُ في الحُلم وهو خارجُ الحظيرةِ وأمامهُ حِزَمٌ كثيرةٌ من البرسيم أخذَ يلتهمها، وبعد أن انتهى من الأكلِ رأى نفسه وهو يكبر ويكبر و يكبر حتى صارَ في حجم البقرة. وامتلأ الكتكوت بالسعادة بعد أن أصبحَ كبيرَ الجسم وقال : الآن سأذهب الى البقرة لأعيشَ معها أنا الآن مثلها ولا يصح أن أعيش مع الكتاكيت الصغيرة .. نعم أنا كبيرٌ ولابد أن أعيشَ مع الكبار، وأخذ الكتكوتُ يبحثُ عن البقرة حتى وجدها راقِدَةٌ وسط أربع بقراتٍ، وما إن وقفَ الكتكوت أمامها حتى نظرت اليه في دهشة شديدة وقالت : ما هذا الشيء؟! قالت بقرة أخرى : انه كائن غريبٌ فعلاً، قال الكتكوت الابيض بفخرٍ : أنا بقرةٌ مثلكم .

قالت البقرةُ : أنت كاذبٌ أيها المخلوق الغريب أنت لستَ مثلنا، اقترب الكتكوت الابيض منها وهو يقول : انظري الى جسمي أنا في مثل حجمكم، قالت البقرة : أنت في مثل حجمنا لكنك لست بقرة.. هل لكَ أربع أرجلٍ مثلنا؟ هل لكَ ذیلٌ مثلنا؟ هل لكَ عينانِ واسعتانِ مثلنا ؟ لالالا.. أنت لست بقرة.. أنتَ شيء غريب لم أشاهد مثله من قبل، فاغتاظَ الكتكوت الأبيض وقال: – أنا بقرة.. نعم أنا بقرة. قالت البقرة:  قلتُ لكَ أنك لست بقرة.. أنت تشبه الكتكوت لكنك لست كتكوتاً.

قالت بقرةٌ أخرى : ربما كان طائراً غريباً شَرِبَ من حديقة الحيوان. فقالت البقرة:  نعم..نعم.. إنه بالفعل طائرٌ غامض هارب من حديقة الحيوان.. هيا ننادي الشرطة لتعيده إلى قفصه في الحديقة. وما إن سمع الكتكوت الأبيض ما قالته البقرة حتى جرى بكل سرعته عائداً إلى حظيرة الدجاج وفتح بابها وحاولَ الدخولَ لكنه لم يستطع نظراً لكبر حجمه، فوقف في الخارج وأخذ يُنادي على أمه وإخوته.

سمعَ الدجاجُ والكتاكيتُ صوته فنظروا اليه وفوجئوا بذلك الطائر الغريب وذُعِرَ الدجاج من هذا الكائن المخيف وقالت دجاجةٌ وهي ترتجف : هيا نغلق بابَ الحظيرة حتى لا يدخل علينا ويفترسنا، وأسرعت الدجاجاتُ واخذنّ يدفعنّ بابَ الحظيرة حتى أغلقه، في الوقت الذي كان فيه الكتكوت الابيض ينادي على أمه التي لم تتعرف عليه ولا على صوته .

ولم يعرف الكتكوت الى أين يذهب بعد أن رفضت البقرات أن يعيشَ معها وبعد أن فزعت منه أمه واخواته، فجلس خارجَ الحظيرة وهو يبكي ويقول : الى أين أذهب ؟ ليتني أعودُ صغيراً كما كنت لألعبَ مع اخوتي وأنام في حضن امي .

وفجأةً استيقظ الكتكوتُ من النومِ ومرت لحظات حتى أفاقَ تماماً وأدركَ انه كان يحلم، ونظر حوله فرأى أمه تجري وتلعب مع اخواته، وجرى الكتكوت الابيض نحو أمه وهو يقول : لا اريد أن أكون في حجم البقرة يا أمي .. وضحك الدجاج والكتاكيت عندما كان الكتكوت الابيض يقصُ عليها حلمه الغريب .

 

نجاحُ فلاحٍ

في يومٍ من الايامِ كان هناكَ فلاحٌ لديه حقلٌ صغيرٌ يزرعُ فيه الذرة. كان هذا الفلاحُ نشيطٌ ومهتمٌ جداً بحقلهِ الصغير، فكان لا يتهاونُ في اختيارِ أجود وأحسن أنواع بذور الذرة، فكان يزرعُ بذوراً ذاتَ جودةٍ عاليةٍ جداً، وقد حازَ هذا الفلاحُ البسيط على العديدِ من الجوائزِ لأفضل محصولٍ من الذرة على مستوى بلدته .

بعدَ مرورِ عدةِ سنواتٍ تجمعَ لديه قدرٌ ليس بالقليلِ من الجوائزِ والأوسمةِ لدرجةٍ أثارت فضولَ بعض الصحفيين والاعلامين . فقررَ أحدهم الذهاب إلى مزرعةِ هذا الفلاح وإجراء مقابلةٍ معه والتعرفِ عليه وعلى طريقة عمله المدهشة التي نَتَجَ عنها هذا الانجاز.  وبمجرد أن قابلَ الصحفيُ الفلاحَ بدأ يسأله عن سرِ النجاحِ المُتواصل الذي تمكّنَ من تحقيقه، فاعترفَ الفلاحُ بسرِ نجاحهِ المتواصل قائلاً : كلُ ذلك يرجعُ إلى إنني كنتُ أشركُ جيراني وأعطيهم من بذورِ الذرة التي كانت تنالُ الجوائزَ والأوسمة حتى يقوموا أيضاً بزراعتها في حقولهم .

تعجبَ الصحفيُ كثيراً من كلامِ الفلاحِ وسأله في دهشةٍ : كيف تُعطي لجيرانك من أفضلِ البذورِ التي تملكها وأنت تعلمُ جيداً أنهم ينافسوك كلّ عامٍ للفوزِ بأفضلِ محصولٍ على مستوى البلدة؟ فأجابه الفلاحُ بكل بساطة : وماذا في ذلك يا سيدي ؟ ألا تعلم أن الرياحَ تنقلُ لقاحات الذرة الناضجة من حقلٍ إلى حقلٍ ؟ وبالتالي إن قامَ جيراني بزراعةِ بذورٍ رديئةٍ وأقلّ جودةٍ مما لديّ فإن عملية التلقيح التي تحدثُ سوف تُقللُ من جودةِ الذرة الخاصة بحقلي باستمرار، وبالتالي إن كنتُ أريدُ زراعةَ ذرةٍ جيدةٍ ورائعةٍ ، فإنه يتحتمُ عليَّ أن أقومَ بمساعدةِ جيراني لفعلِ الشيء نفسه أيضاً .

الولدُ الصادِق

حسنٌ ولدٌ مُهذبٌ نظيفٌ مُطيعٌ لوالديه ، محبوبٌ من قبلِ زُملائهِ وأصدقائهِ وجميعُ معارفه … كانت أمُهُ تُوصيه بالصدقِ في القولِ والفعلِ . وفي يومٍ من أيامِ الدراسةِ كلّفهُ أستاذه بكتابةِ موضوعٍ عن الصيف ، وفي البيت وبعدَ أن غسلَ حسنٌ يديه وغيرَ ثيابه وتناولَ طعامه ، جلس لكتابة الموضوع، ولكنه أحسّ بثُقلٍ في عينيه فقال في نفسه : سوف آخذ قسطاً من الراحةِ ثم أعودُ وأكتبُ واجباتي المدرسية ،ولكن النومُ غلبهُ فاستيقظَ متأخراً وجلسَ مع أسرته يتجاذبون أطراف الحديثِ، ثم تناولَ طعامَ العشاءِ ونامَ ونسيَ ما كلفه به معلمه .

وفي الصباحِ ارتدى ملابس المدرسةِ وحملَ حقيبته وذهب، وهناك سأله صديقه أنس : هل كتبتَ الموضوع یا حسن ؟ عرف حسن أنه أخطأ عندما أجلَ كتابة الموضوع … فأجاب زميله : – نسيتُ كتابةَ الموضوعِ يا أنس وأخافُ أن يعاقبني المعلمُ فماذا أفعل ؟ ردّ عليه أنس قائلا : بسيطة افعل كما فعلتُ أنا في المرةِ الماضية ،فقد كذِبتُ على معلمي ونجوتُ بنفسي من العقاب ، قل للمعلم بأنك كنتَ ليلة أمس مريضاً ولم تستطع كتابة الموضوع، فيُصدقُكَ المعلمُ وتنجو من العقاب .

وعندما رنّ الجرس معلنا بدء الدراسة ،دخلَ التلاميذُ إلى صفوفهم قال المعلمُ : جهزوا دفاتركم ، وأخذَ المعلمُ يَدورُ بين التلاميذِ ،وعندما وصلَ الى حيث يجلسُ حسن لم يرَ دفتره فسأله : أين دفترك يا حسن ؟ ترددَ حسنٌ قبل أن يُجيبَ ، وتذكرَ أنه عاهدَ نفسهُ وأمَهُ على قولِ الصدق فقالَ لمعلمهِ : آسفٌ يا مُعلمي، فقد نسيتُ كتابة الموضوع .

أعجِبَ المعلمُ بشجاعةِ حسن وقوله الصدق وقال له : لماذا لم تكذب مع انك تعرف أن كلامك هذا يُعرضكَ للعقابِ ؟ قالَ حسنٌ : لأنني عاهدتُ أمي على الصدق، سُرَ المعلمُ لصراحة حسن وطلب من زملائه أن يُصفقوا لهُ لشجاعته في قول الصدق ولاحترامه لأمه وتنفيذه عهده لها.

الصغيران

في يومٍ منَ الايامِ خَرجَ صيادٌ الى الغابةِ يحملُ بندقيةَ الصيدِ ، حتى يصطادَ بعضَ الطيورِ، انتظر الصيادُ فترةً طويلةً يُراقبُ في صمتٍ، حتى ظهرَ أمامهُ أحدُ الطيورِ فجأة، دَقَقَ النظر الى الطائرِ من خلالِ نظارته المُكبرة، حتى يعرفَ إن كان من الطيورِ التي تؤكل أم لا، فوجده يغفو ويترنح، ويكاد ينزلق من فوق فروعِ الشجرة، ويحاول أن يتشبث بها في صعوبةٍ شديدةٍ، تأكدَ الصيادُ أن هذا الطائرَ يصلح للأكلِ، فصوبَ بُندقيته نحوه وأحكمَ التصويب، ولكن الطائر استجمع قِواهُ وتمكّنَ من أن يختبئ خلفَ مجموعةٍ من أوراقِ الشجرِ الكثيفةِ، وفجأةً عادَ الطائرُ الصغيرُ من جديد الى مكانه الاول، فقامَ الصيادُ بتسديدِ بندقيته نحو الطائر، إلا أنه قد قفزَ جانباً ليختبئ من جديد .

انتقلَ الصيادُ خلفَ الطائر ليراقبه ماذا سيفعل، فوجدهُ يُطِعمُ فَرخيه الصغيرين ما في جوفه من الطعام، رقَّ الصيادُ لحالِ هذا الطائرِ المسكين، وعزَّ عليه أن يكون هو السبب في أن يُيُتمَ فرخيه الصغيرين، فكّرَ الصيادُ قليلاً، وقد تذكرَ أنهُ إن لم يصطد أحد الطيورِ فسوف يعودُ الى بيته دون صيدٍ إلى طفليه الصغيرين ،ولن يتمكن من توفير وجبةَ الغذاءِ لهما من لحمِ الطيورِ المشوي اللذيذ الذي يُحبانه ،وهو قد وعدهما بذلك من قبل .

تَرَدَد الصيادُ طويلاً وازدادت حيرته هل يصطاد ذلك الطائر أم يتركه يُطعم فرخيه ويعود هو إلى طفليه دون صيدٍ؟ ولكن الطائر قد حَسَمَ الموقف حيث عادَ الى مكانه الاول حيث يسهل على الصيادِ اصطيادُ.

 لحظاتٍ من التفكيرِ مرت ثقيلة على الصيادِ الذي تغلبت لديه غَريزة الأبوة، فوضعَ بندقيته على كتفيه ،والطائرُ لا يُبدي حِراكاً ،أحكَمَ تصويبها والطائرُ في مكانه لا يتحركُ أبداً هذه المرة، إلا أنه مالَ بجسده الى الأمام أكثر وهو يغفو ويترنح من جديد، وقبل ان يضغط الصياد على زناد البندقية، سقط الطائر امام قدميه ميتاً.

الطفل والجني الازرق

يحكى أن هُناكَ طفلٌ في العاشرةِ من عُمره، يعيشُ في منزلٍ كبيرٍ مع أبويه، وكان في المنزلِ غرفةُ كبيرة مهجورة،لا يدخل إليها أحد منذ انتقال العائلة إلى هذا المنزل.

 دفعَ الفُضول هذا الطفل للدخول إلى هذه الغرفة. دخلها فوجدَ فيها مجموعةً من الأواني القديمة، وبمجرد أن دخل الصبيُ الغرفةَ أقفل الباب الغرفة عليه وظل وحيداً في الظلام . يشعرُ بالخوف الشديد، حاول فتح البابِ مرات عديدة ولكن دون جدوى، كان البابُ مغلقاً بإحكام شديد .

بدأ الطفلُ يصرخ وينادي على والديه ولكن لا أحد يجيب، جلسَ الطفلُ يبكي في أحد أركان الغرفة نادماً على دخوله هذا المكان من البداية، حتى غلبه النعاس، استيقظ الطفلُ في الصباح على ضوءِ أشعةِ الشمسِ الخفيفةِ التي دخلت من الثقوب الموجودة في حائط الغرفة، حاول الصبي من جديدٍ فتحَ الباب الغرفة ولكنه فشل، فأخذ يبحث بين الأواني القديمة عن شيء يساعده على فتح هذا الباب، فوجدَ إبريقاً غريباً يلمعُ وحده في ركنٍ بعيد، لم يرَ مثله من قبل أبداً .

اقتربَ الطفلُ بحذرٍ من هذا الابريق العجيب ثم فتحه، فخرجَ منه جنيٌ أزرقٌ ضخمٌ ليست له أرجلٍ، يقفُ في الهواء ويقول له بصوت أجش مخيف : شوبيك لوبيك أطلب كل ما تريد وسوف أحضره لكَ في الحال .. فكّر الطفلُ قليلاً وقد فهم أن هذا هو جني المصباح الذي قرأ عنه كثيراً في القصصِ والحكايات، فقال له : أنا اشعرُ بالجوعِ الشديدِ وأريدُ طعاماً لذيذاً. فأحضرَ له الجني الطعامَ الذي طلبه، فأكلَ حتى شبعَ، ثم قال له : هل تريد شيئاً آخر ؟ فسأله الطفلُ : أريدُ أن أعرفَ لماذا تُحقق كل ما أطلبه منكَ ؟ فقال الجني : لأنك أخرجتني من هذا الأبريق الذي كنت مسجوناً فيه لأكثر من 40 عاماً، فطلبَ منه الطفلُ أن يفتحَ لهُ بابَ الغرفةِ حتى يخرج من جديد، فحقق له الجني ما طلب، وودعه الطفلُ وخرج في سلام .

وجدَ الطفلُ عائلته تبحث عنه في كل مكان، وبمجرد أن رأوه سألوه أين كنت كل هذه المدة؟ فأخبرهم الصبي بكل شيء ولكن لم يحدثهم عن قصة  جني الابريق الذي أخذه معه إلى غرفته وأخذَ يعتني به كثيراً منذ ذلك اليوم، وتكونت علاقة طيبة بين الصبي والجني وأصبح يطلب منه الكثير من الأشياء لمساعدة الضعفاء والفقراء .

ِالخوفُ مِنَ الفَشَل

في يومٍ من الايامِ جاءَ أحمد إلى والدهِ وهو حزينٌ ويبكي بحُرقةٍ فاحتضنه والدهُ وسألهُ عن سببِ بُكائهِ، فأخبرهُ أحمدُ أنه سيفشلُ في سباقِ القفز،  الذي سيقام بعدَ أسبوعٍ وسيخسرُ أمامَ زُملائه، تعجبَ الوالدُ كثيراً من كلامِ أحمد ، ونظرَ إليه في دهشةٍ واضعاً يدهُ على جبينه حتى يقيسَ حرارة ابنه، فوجدَ جبينه بارداً، فسأله إن كان يشكو من أي ألمٍ، فأجابَ أحمد بالنفي .

قالَ الوالدُ لأبنه: إن كنتَ لا تشتكي من أي مرضٍ أو علةٍ تمنُعكَ عن خوضِ السباق، فلماذا أنتَ خائف لهذه الدرجة من الفشل، ومقتنع تماماً أنه سوف تفشل ؟ فقالَ أحمد: أنا أشعرُ بذلكَ يا أبي، قلبي يقولُ لي أنني سوف أفشلُ في السباق، ولذلك لن أشتركَ فيه من البدايةِ أفضل لي.

ابتسمَ الأبُ في حنانٍ وقالَ: وهل لقلبكَ لسانٌ حتى يتحدث ؟ زادَ بكاءُ أحمد ونحيبه وقد ازدادَ غضباً وحُزناً حتى بدأ يخبطُ الارضَ بقدميه، صاحَ الأبُ: انتظرْ يا صغيري ولا تفعل ذلك، لا تخبط الارضَ بقدميكَ هُنا ، بل اقفز بعيداً عن هنا، كفَّ أحمدُ عن البكاءِ ونظرَ إلى أبيه بدهشةٍ وهو لا يفهمُ مقصدَهُ، ثم سأله وهو ينظرُ إلى أرضية الغرفة التي يُخبطُ عليها بقدميه : ولماذا أقفزُ بعيداً يا أبي ؟

قالَ الأبُ : لأنه قد توجدُ حفرة هنا فتقع فيها يا ولدي دون أن تنتبه، قال أحمدُ وقد ازدادت دهشته : ولكننا في غرفةِ منزلنا يا والدي ولا توجد هنا أي حفرة، قال الأبُ : أقولُ لكَ يا بني أنه قد يكون هنا حفرة وقد لا يكون، ولذلك فمن الافضل أن تقفزَ بعيداً عن هنا .. وضعَ أحمدُ يدهُ على جبينِ والدهُ يفحصُ حرارته والدهشةُ تغمره، فانفجر الوالد ضاحكاً وهو يقول : يا بُنَي أنت تخافُ من الفشلِ قبل أن تخوضَ السباق، ولذلك سوفَ تمتنع عن الاشتراكِ بهِ لخوفٍ كاذب لا أساس له ، كمن يقفزُ من فوقِ حفرةٍ وهميةٍ لا توجدُ إلا في مخيلتهِ فقط ، فإنك متأكدٌ أنهُ لا توجدُ هنا أي حفرةٍ ولذلكَ لم تقفز كما طلبتُ منكَ، وإن أيقنتَ كذلك واقتنعتَ في داخِلكَ أنكَ ستفوز بالسباق، فحتماً سوفَ تفوز .. هيا يا بُنَي تابع التمارين الرياضية ودَعْ الخوفَ والتشاؤم جانباً.

حوريةُ البحرِ

 في مكان بعيد جداً هناك حورية صغيرة تخبئُ كنزاً أتاها من عالمِ البشرِ داخل خليجٍ مرجاني في أعاقِ المحيط، وكان هذا الكنزُ يضمُ أجملَ المُجوهراتَ البراقةِ الرائعة، وكانت الحوريةُ الصغيرةُ تذهبُ كلَّ يومٍ إلى هذا المخبئ لتطمئنَّ على كنزها وتشاهدُ جمالهُ وروعتهُ، وكان صديقُها النَورس بين الحينِ والآخر يأتيها بأشياءٍ قيّمة جديدة لتضيفها إلى كنزها الثمين. وفي يومٍ من الايامِ جاءَها صديقُها النورس متحمساً بشدةٍ وهو يُخبرها أنه أحضر لها أغربَ عُشبةٍ في العالمِ، وهي شديدةُ النُدرَة والروعة، انبهرت الحوريةُ كثيراً بشكلِ هذه العُشبة العجيبة ذات الأربع أوراق، ثم أخبرت صديقها أنها سمعت من بعضِ البشر أن هذه العشبة تجلبُ الحظّ، فقال لها النورسُ : إذاً عليكِ أن تريها إلى صديقتًكِ السمكة وصديقكِ السرطان، فقالت الحوريةُ:حسناً سأفعلُ .

ولكن قبل أن تذهبَ الحوريةُ الصغيرة إلى صديقيها وجدت صديقها السرطان قادمٌ قائلاً في حماسٍ واضحٍ : لقد وجدتُ هذا القدحَ الرائع المصنوع من زجاجِ الكريستال، مدفوناً في الرمال، فقالت حوريةُ البحرِ على الفور : لقد بدأ مفعولُ هذه العشبة يعملُ بالفعل، فسألتها السمكةُ الصغيرة : ماذا تعنين بذلك ؟ فشرحت لها الحوريةُ فكرةَ العُشبة التي أحضرها لها النورسُ والتي تجلبُ الحظَّ والسعادة، ضحكَ السرطانُ قائلاً في سُخرية : أحقاً تؤمنين بهذه السخافات ؟ فقالت الحوريةُ في اندهاشٍ : وأنتَ ألا تؤمنُ بها ؟ فقال السرطانُ: بالطبعِ لا هذه مُجرد خُرفات لا صحةَ لها، فقالت الحوريةُ وقد إزدادَ إصرارها على رأيها : كيف تُفسرُ إذاً وجود كأس الكريستال هذا بعد ضياعه؟ ردّ السرطانُ : إنها مجرد صدفة.

لم تقتنع حوريةُ البحرِ كثيراً بكلامِ صديقها السرطان وظل بداخلها يقينٌ تام أن هذه العشبة العجيبة هي مصدر حظها، حتى أنها قامت بوضعِ هذه العشبة داخل كتابٍ للحفاظ عليها، وبعد مرورِ عدة أيامٍ بدأت الحورية تشعرُ أن الحظ قد ابتسم لها، حيث وجدت العِقد الضائع الذي كانت قد فقدت الاملَ في العثورِ عليه، ووجدت أيضاً سفينةً غارقةً بداخلها العديدُ من المجوهرات الثمينة النادرة، وكانت الحورية الصغيرة كلما تعثر على شيء جديدٍ، يُخبرها صديقها السرطان أن هذه مجرد صدفة .

 

بعدَ مرورِ فترة من الوقت عَلمت ساحرة البحر الشريرة عن الحظ الذي تمتلكه الحورية ،وعن العشبةِ العجيبة، فقررت أن تسرقها، وفي يومٍ خرجت الحوريةُ مع صديقاتها في نزهةٍ، فدخلت الساحرةُ الشريرةُ وحاولت سرقة العشبة، ولكنها لم تستطع العثور على مكانها، فقامت بتمزيقِ الكتابِ من شدة غضبها دون أن تدري أن العشبةَ بداخله، فتناثرت أوراقها وضاعت بين الامواج، عادت الحوريةُ الصغيرةُ فلم تجد كنزها ولا كتابها، فحزنت كثيراً وأخذت تبكي .

وبمرور الوقتِ بدأ حظ الحورية يضيعُ منها، فتهشمت الكؤوس الكريستالية الجميلة وضاع كنزها التي كانت تخبئه، وخسرت الكثير من الاشياء الثمينة، فكّر صديقها السلطعون في حيلةٍ ذكيةٍ حتى يُخرجها من حزنها هذا، فأحضر لها عشبةً بحريةً مؤلفةً من أربع ورقاتٍ تُشبه تماماً عشبتها القديمة، وأخبرها أنها من نفس النوع، فرحت الحورية كثيراً وشكرته على معروفه ،وما هي إلا لحظاتٍ حتى شعرت الحورية أن الحظ قد عاد إليها من جديدٍ بفضولِ العشبة السحرية، فعثرت على الكثير من اشيائها الضائعة وكنوزها الثمينة، وبعد مرورِ عدة أيامٍ قرر السرطانُ أن يُصارِحُها بالحقيقةِ، فقال لها : افحصي هذه العشبة جيداً، اقتربت الحوريةُ من العشبةِ كثيراً فعرفت أنها ليست العشبة الأصلية، وحينها قال السرطان : أعتذر منكِ عن فعلتي هذه ،كان هدفي أن أساعدك وأبعد الحزن عن قلبك .

تعجبت الحوريةُ كثيراً وسألت السرطان عن سر ما حدث لها، فقال لها : الآن بدأتِ تفهمين، فأنتِ عندما تؤمنينَ بنفسكِ تحدثُ الأمورَ كما تريدين، ثقي يا صديقتي ليس هناك حظ ولا عجائب. وهنا سألها طائر النورس : هل ستتخلصين الآن من العشبة، فردت الحورية الصغيرة : لا بل سأحتفظ بها لتذكرني بأن لا أتكلّ في إنجاز أموري على عشبةٍ صغيرةٍ، بل على أن أعملَ بنفسي لأحقق ما أريد .

الارنبُ وبئرُ الماءِ

 على ضوءِ القمرِ اجتمعت عائلةُ الأرانبِ كعادَتِها كُلّ لَيلةٍ ، يقضون ساعاتٍ مُمتعةٍ في جوٍ منَ الحُبِ والسعادةِ والهناءِ . وبعد مُضيِّ أكثر من ساعةٍ أحسّ الارنبُ الابيضُ العجوزِ أنه عطشان، فذهبَ الى بئرِ الماءِ ليشربَ، أنزلَ الدلو وأرخى له كُلّ الحبلِ المربوط فيه، هزَّ طَرفَ الحبلِ في يده حتى يمتلأ الدلو بالماءِ، ولمّا بدأ في رفعه كان خفيفَ الوزنِ، عَرفَ الارنبُ الابيض العجوز أن الماءَ بدأ يجَفّ في البئرِ . أحضرَ حبلاً ربطه في طرفِ حبل الدلو وأنزلهُ في البئرِ فوصل الى الماءِ وغرفَ منهُ، شربَ الارنبُ ووضعَ الدلو على حافةِ البئرِ، أستدار عائداً وهو يقول في نفسه : الماءُ بدأ ينقص في البئرِ وربما يجف، لو جفّ فعلاً فسوف نعطش وسوف تعطش الحشائش وتبذل ونجوع نحن .

وصلَ الارنبُ العجوز الى لأفراد عائلته، كانوا مازالوا يرقصون، جلسَ صامتاً مُفكراً في الماءِ الذي مقصَ من البئرِ، سألته زوجته الارنبةُ الحمراء : فيمَ تفكرُ يا عزيزي؟ وسأله صديقه الارنبُ الرمادي : ماذا حدث ؟ صرخَ الارنبُ في الجميع : كفوا عن الرقص والغناء، اتجهت أنظار الجميع نحوه، صمتَ قليلاً ثم قال : البئرُ بدأت تجف، ولو حدثَ ذلكَ سوف نموتُ من الجوعِ والعطش، نظروا اليه ثم نظرَ  بعضهم الى بعض  في دهشةٍ، لم يقتنع أحدٌ بكلامه، فكيف تجفُ البئرُ المليئةُ بالمياه؟ تركوه وحيداً وعادوا الى جحُورهم، ولكنه كان مقتنعاً أنه صادقٌ في احساسه، فقررَ أن يتحدثَ معهم من جديد .

في الصباحِ اجتمعت عائلة الارانبِ في الساحة الخضراء، فذهبَ اليهم الارنبُ الابيض العجوز وحاول أن يتحدثَ معهم ،ولكنهم قاطَعوهُ ورفضوا أن يسمعوا له، حتى تَطاولَ عليه أحدهم وقالَ  : اذا أردتَ أن تحفرَ بئراً جديدةً فاذهب وحدك واحفر، وبالفعل اخذ الارنبُ الابيض زوجته الحمراء وسارا معاً يبحثان عن مكانٍ يصلحُ لحفرِ بئرٍ، حتى وصلا الى منخفضٍ تُحيطُ بهِ الاشجارُ من جميع الجوانب، يعيش فيه العديد من العصافيرِ الملوّنة ويحرسها كلبٌ كبيرٌ بُنيّ اللونِ، نبحَ الكلبُ بصوتٍ عالٍ عندما رأى الارانبُ ،ثمّ أسرعَ وسألهما : ماذا تريدان؟ ردّ الارنبُ : نبحثُ عن مكانٍ لحفرِ بئرٍ للماءِ، وأظنُ أن هذا مكانٌ مناسبٌ، رفرَفَت العصافيرُ تستطلع الخبر، فسمعت ما قاله الارنب، تشاورت مع الكلبِ واتفقوا جميعاً على الترحيب به بل اعلنوا موافقتهم ايضاً على مساعدته .

مرت الايام  والارانب مازالوا يعملون، الارنب العجوز وزوجته يحفران الارض بأقدامهما الامامية ، بينما الكلبُ يحملُ الترابَ في أكياسٍ في فمه ليفرغها بعيداً، والعصافيرُ تحملُ ما تقدر عليه في مناقيرها  وتُرفرفُ لتلقيه بعيداً، وبمرور الوقت تحولَ الترابُ الى طينٍ، ثم بدأ الماءُ يتسربُ من الطين ويرتفع عالياً، في نفس الوقت كان الماءُ في البئرِ القديمِ ينقصُ شيئاً فشيئاً حتى جفت البئرُ تماماً، وذَبُلت الحشائش وجاعت الارانب وضعفت قوتهم، وقَلّ نشاطهم واصبحوا غير قادرين على الحركة .

ذات يومٍ خرجَ أرنبٌ هزيلٌ من جُحرهِ، وأخذَ يصرخ منادياً أصحابه، خرجت كلّ العائلة من جحورها وسألته أمه: لماذا تصرخ يا بني؟ أجابها : يجب أن نبحثَ عن مكانٍ آخرٍ لحفر البئر كما فعل الجد العجوز، نظروا جميعاً الى بعضهم ثم الى الدلو فارغاً بجوارِ البئر وقرروا المغادرة. كان الارنب الابيض قد اشتاق الى رؤية عائلته، تركَ زوجته الحمراء في حراسة الكلب عند البئر وأخذ يقفزُ حتى وصلَ الى البئرِ القديمة، هناك نادى بأعلى صوته على الجميعِ، ولكن لم يرد عليه أحد، رأى الدلو فارغاً بجوارِ البئر والحشائش جافة، ففهِمَ أنهم هجروا المكان ولكن بعد فوات الأوان .

عادَ الارنبُ الى زوجته وأخبرها بما حدث ودموعه تتساقط، حزنت جميع العصافير والكلب والزوجة لهلاك الاهل، تشاوروا معاً وقرروا جميعاً أن يقدموا المساعدة، طارت العصافيرُ وجرى الكلبُ يتشمم المكان، حتى عثروا على العائلة متفرقة هنا وهناك تحت جزوع الاشجار غير قادرين على الحركة، فكّرَ الارنبُ في طريقةٍ لإنقاذ عائلته قبلَ أن يصل اليهم الذئاب والثعالب، حتى توصل الى فكرةٍ ذكيةٍ، جمعَ الارنبُ العجوز وزوجته فروع الاشجار المتساقطة حتى تمكنوا من جمع كومةٍ كبيرةٍ وجلسَ الارنبُ يربطُ الفروعَ مع بعضها ، ولمّا صنعَ زحافة كبيرة جعل في جانبيها فرعين كبيرين، وضع الكلب رأسه فيها وانطلقوا جميعاً ينقلون الارانب الهزيلة الغير قادرة على الحركة .وهكذا قدّمَ الارنبُ العجوز لعائلته الطعامَ والماءَ حتى عادت اليهم قوتهم ونشاطهم وادركوا أن الجدَ العجوز كان حكيماً وشكروه كثيراً على انقاذه لهم، وفي هذه الليلة رقصوا وغنوا معاً جميعاً كما كانوا يفعلون كُلّ ليلةٍ.

 

 

 

بَقَرةُ جُحا

  سَمعَ جُحا أن البقرات البيضاء تَمنحُ أصحابها حظاً كبيراً ومالاً وفيراً، وهذا بالطبعِ ضَربٌ منَ الخيال، لكنه كان يؤمن بالخُرافات ،فراحَ يبحثُ عن بقرةٍ بيضاء في كلِّ مكانٍ ،وهذا النوعُ من البقرِ نادرٌ جداً ولا وجودُ منهُ في بلدته .

عَلِمَ أحدُ النصابين بما يطلبه جُحا ، فأحضرَ بقرةً يملكها وصبغها باللون الأبيض ،وصارَ يَصطحِبُها في طرقاتِ البلدة.  شاهدَ جُحا البقرةَ فصارَ يرجو صاحبها أن يبيعهُ إياها، فأوهمهُ صاحبُها أنها تَجلِبُ الحظّ، ولا يُمكنُهُ بيعها إلا بثمنٍ كبيرٍ .

وافقَ جُحا على الثمنِ وباعَ كلّ ما يملكه من أثاثٍ ودوابٍ ورهنَ بيته لهذا النصّاب، عادَ جُحا بالبقرةِ سعيداً معتقداً أنهُ سيوفي كُلّ دينه، ويستعيدَ أموالهُ بالحظِ الذي سيحلّ عليه، لكن ذلك كُلُهُ لم يحدث. بعدَ أيامٍ وفيما كانت البقرةُ تأكلُ في البستانِ القريبِ، هَطَلَ مطرٌ غزيرٌ وبدأ الصبغُ الابيضُ يختفي عن جسمِ البقرة، ويزولُ مع الماءِ، وعادَتِ البقرةُ الى لونها الاصلي .

كادَ جُحا أن يجن عندما رأى ما حدث للبقرةِ وصارَ الناسُ يتحدثون بقصةِ جُحا والبقرة. ويقولونَ عن كُلّ شيء كَلّفَ أكثر من قيمته – هذا أغلى من بقرةِ جُحا ” وصارت بقرةُ جُحا مثلاً .

السلحفاة في المستشفى

 يصابُ صديقنا فيري في بعضِ الاحيانِ بنوباتِ بردٍ أو بآلامٍ بسيطةٍ في المعدة، وأحياناً يتعرضُ لبعضِ الخُدوشٍ أثناء اللعب، ومثل باقي الصغار فهو يذهبُ كلّ فترةٍ الى عيادةِ الطبيب حتى يطمئنَّ على صحته، ولم يقم الطبيبُ بزيارةِ فيري في منزله إلا مرةً واحدةً فقط، لكن هل ذهب فيري الى المستشفى من قبل ؟

في يومٍ من الايامِ كان فيري يلعبُ الكرةَ مع أصدقائه، وكان الجميعُ يلعبُ بحماسٍ وسعادةٍ وفجأة سَدَدَ أحدهم الكرةَ فاصطدمت بصدر فيري، صاح من شدة الالم ، لكنه استمر في اللعب. و في المساءِ عندما انتهى فيري  من الاستحمامِ بدأ يجففُ جسمه ولكنه شعرَ فجأة بألمٍ شديدٍ عندما بدأ يجففُ صدره وبطنه، ألم جعله يصيح : آه آه ، اقتربت أمهُ منهُ وفحصته بعنايةٍ ثمّ قالت لهُ : إن أولَ ما سنقومُ بهِ صباحَ الغد هو زيارة الطبيب .

لم يشعر فيري بألمٍ أو خوفٍ عندما كانت أصابعُ الطبيبِ تفحصُ جسمهُ خصوصاً الدرع ولكن خلال الفحص اكتشف الطبيبُ أن الدِرعَ  التي على ظهره بها كسر بسيط، ثم طلب الطبيبُ من فيري ألاّ يتناول طعامٍ أو شرابٍ بعد أن ينتهي من طعام العشاء، لم يهتم صديقنا فيري بالطعامِ ولم يكن يشعر بالجوع، لقد كانت معدته مضطربة من القلقِ لهذا لم يُفكر في أي طعامٍ. ابتسمَ الطبيبُ وقالَ: لا تخف انه كسرٌ بسيطٌ، وسنثبته جيداً حتى تُشفى سَريعاً، لذلك سنُجري لكَ جراحةً بسيطةً جداً في صباحِ الغد .

عادَ فيري الى بيته وبعد قليلٍ زارهُ أصحابهُ بعدَ عودتهم من المدرسة، تجمعَ أصدقاءُ فيري حولهُ عندما فتحَ أمامهم كتاباً عن المستشفيات مُزيناً بالصورِ وقالَ لهم انهُ هدية من الطبيبِ دبدوب، أشارَ الثعلبُ بإصبعه الى احدى الصور وسأل : لماذا يضعُ كلّ واحد منهم قناعاً ؟ فأجاب انه قناعٌ طبيٌ وهو يبعد الجراثيم الضارة عن غرفة العمليات، سألته الارنبةُ : هل أنتَ خائفٌ من الجراحة يا فيري ؟ ردّ صديقه الحَمَل : فيري شجاعٌ، بالطبع هو ليس خائفاً . لم يقُل فيري أي شيء !

في الصباحِ ذهبَ فيري ووالدهُ الى المستشفى، كان فيري يُمسكُ بطانيته الزرقاء ولعبته ثم نظرَ الى غُرفته وقالَ : الى اللقاء، احتضنته والدته وقالت : ستعودُ غداً الى المنزلِ يا صغيري، رد فيري : نعم أعرف ذلك، نظرَ والده إليه مبتسماً وقالَ : انتَ شجاعٌ وأنا فخورٌ بكَ، عندما دخلَ فيري المستشفى قامَ أحدُ الممرضين بوضعِ سوارٍ كتبَ عليه  اسم فيري ، وبعدها طلب ممرض آخر من فيري أن يجلسَ على كرسيٍ متحركٍ ،وقامَ بدفعِ الكرسي الى غرفةِ العمليات .

ساعدت الممرضةُ فيري على ارتداء الملابس الخاصة بغرفةِ العمليات، وقامت بعمل بعضِ الفحوصاتِ البسيطة له، ثم اقتربَ منه الطبيب واعطاه حقنةً بها دواء مخدرٍ حتى لا يشعر بأي ألم، دخل فيري الى غرفةِ العمياتِ ورقدَ على السريرِ، وبدأت الممرضةُ تشرحُ لفيري عملَ بعض الاجهزة الموجودة بجانب فراشه، ثم قامَ الطبيبُ بوضعِ الحقنة التي تحتوي على الدواءِ المخدرِ في ذراع فيري، وقالَ : الآن يا فيري عليكَ أن تقومَ بالعدِ من واحدٍ الى العشرة، بدأ فيري العد : واحد .. اثنان .. ثلاثة .. ثمّ استغرقَ في نومٍ عميق  .

استيقظَ فيري وفتحَ عينيه ببطءٍ ،فوجدَ أمامهُ والديه والطبيبُ دبدوب، وهنا تذكرَ فيري ما حدثَ لهُ، وقالَ بصوتٍ ضعيفٍ : إنني لم أكمل العد، ضحكَ الطبيبُ وهو يقول : ولكنني أكملتُ  العملية الجراحية ، وأنكَ سوف تُشفى سريعاً ان شاءَ اللهُ، بعدَ مرورِ أيامٍ قليلةٍ. وبعد ثلاثِ أيامٍ خرجَ فيري من المستشفى وعادَ الى منزلهِ ورجعَ يلعبُ مع أصحابهِ كلّ يومٍ بالكرةِ من جديدٍ ،ولكنه أصبحَ أكثر حذراً .

فيلٌ في الغابةِ

 في يومٍ من الايام كان هناكَ  فيلٌ صغيرٌ مُعَجباً بنفسهِ مُعتداً بقوته، وقد قالَ يوماً لصديقه الجمل :  أنا اقوى منكَ وأنت لا تملكُ خرطوماً جميلاً مثل الخرطوم الذي أملكه أنا  ، قال الجملُ : لا داعي للتفاخر فكل مخلوقٍ في هذا الوجود لديهِ مزاياهُ التي تمنحه قيمته. قالَ الفيلُ : أنتَ تقول هذا لأنكَ تغارُ مني، فأنا سأظل أقوى منكَ، قالَ الجملُ : هل تستطيع أن تسيرَ في الصحراءِ يوماً كاملاً ؟ قالَ الفيلُ : أتتحداني وأنا فيلٌ أقوى منكَ بكثير ؟ قالَ الجملُ : نعم أتحداك .

اتفقَ الفيلُ والجملُ على أن يسيرا في الصحراء بدءاً من شروقِ الشمس حتى الغروب، بدأ الفيلُ يستعد وجمعَ الكثيرَ من العُشبِ والماءِ وحملها على ظهرهِ في جرة، أما الجملُ فلم يحمل أي زادٍ، وسارَ الفيلُ والجملُ في الصحراءِ التي يغمرها ضوء الشمس الحارة جداً، وبعد مرورِ ساعة واحدة شَعرَ الفيلُ بالجوعِ والعطشِ الشديدين ، فأكلَ ما يحملُ من عُشبٍ وشربَ ما يحمل من الماءِ، ورمي الجرةَ فارغةً، أما الجملُ فلم يأكل ولم يشرب، واستكمل الاثنانِ سيرهما عِبرَ الصحراءِ من جَديد .

بعدَ مرورِ فترةٍ قصيرةٍ شَعرَ الفيلُ من جديدٍ بالعطشِ والجوعِ، فصرخَ قائلاً : أنا عطشانٌ ، فقالَ لهُ الجملُ في سُخريّة : ولكن القوي لا يُبالي بالعطشِ، صَمَتَ الفيلُ وقد شعرَ بالخجلِ الشديد، وقَررَ أن يُكملَ التحدي، ولكن بعد فترةٍ بسيطةٍ لم يستطع أن يَتحمل أكثر، فصرخَ الفيلُ : اللعنةُ، إني مُوشكٌ على الموت عطشاً، وما أن انتهى من كلامهِ حتى سَقَطَ على الرمالِ وقد أغميَ عليه، أسرعَ الجملُ الى انقاذه، فحمله على ظهرهِ وعادَ بسرعةٍ الى غابته المليئةِ بالأشجارِ والاعشابِ والمياه، وعندما أفاقَ الفيلُ من اغمائه، قالَ لهُ الجملُ : هل اقتنعتَ الآن بأنَ لكلِ مَخلوقٍ مزاياهُ ؟ فأنتَ قويٌ وتمتلك خرطوماً لا أملكُ مثلهُ، ولكنني أملكُ القُدرةَ على تحمُلِ العطشِ والجوعِ ،وذلك لأنني أختَزِنُ الكثيرَ من الماءِ والطعامِ، ومنذُ تلكَ اللحظة تخلى الفيلُ عن غُرورهِ .

أكبرُ كَنزٍ

في يومٍ من أيامِ العُطلة المدرسية، وبينما كان  يوسفُ يقرأُ كتاباً قديماً، وجدَ بين صَفحاته خارطةً لكنزٍ ثمينٍ، فصاحَ مبتهجاً : يا للروعةِ سأبحثُ عن ذلكَ الكنز وسأعيشُ كثيراً من المغامرات الجميلة. في صباحِ اليوم الثاني انطلقَ الصغيرُ في رحلةِ البحثِ وسارَ طويلاً حتى وصلَ الى غابةٍ كثيفةٍ والتقى هناكَ بالأسدِ فقال له بلطفٍ : أنت قويٌ وشجاعٌ، فهل تذهب معي للبحثِ عن كنزٍ كبيرٍ ؟ وافقَ الاسدُ وسارا سويةً بين اشجارِ الغابةِ وكانت كثيفة ومعتمة، وهذا ما أشعرَ الصغيرَ بالخوفِ ولو لم يكن يسيرُ برفقةِ الاسدِ عندما  تجرأ على دخولها .

أخيراً وصل الاثنان الى منطقةٍ جبليةٍ حيث الصخور الحادة العالية، فالتقيا هناك بالنسرِ، قال يوسف : إن لديك عينان ثاقبتان أيها النسر، ويمكنك ان تُنبهُنا الى المخاطرِ اذا اقتربت منّا، فهل تذهب معنا للبحث عن كنزٍ ثمين ؟ وافق النسرُ وانطلقوا من جديد، كانت الجبالُ حادةً وعاليةً لذلك كادَ الاسدُ ينزلقُ من الاعلى مراتٍ عدة لولا مساعدة يوسف وكان النسر يُحلّقُ في السماء ويرشدُهم الى أسهلِ الممراتِ بين الجبال .

وبعدَ جُهدٍ وعناءٍ اجتازوا الجبالَ ووصلوا الى سَهْلٍ أخضر حيث التقوا هناك بنعجةٍ جميلةٍ فقالَ الصغيرُ : هل تذهبين معنا للبحث عن الكنزِ ؟ فعمّا قريب ستهبُ الرياحُ الباردة ونحن أحوج ما نكون الى صوفكِ الدافئ حتى لا نشعرَ بالبردِ ويصيبُنا المرض. وافقت النعجةُ وسارَ الجميعُ سويةً ، وسرعانَ ما هبت الرياحُ الباردة فوقَ السُهولِ الخالية وتجمعَ الاصدقاءُ حولَ النعجةِ والتصقوا بها ليشعروا بدفء صوفها .

أخيراً وصلوا الى الصحراءِ وهناكَ التقوا بالجملِ فقالَ الصغيرُ : يسمونكَ سفينةُ الصحراءِ، لأنك أقدر الحيوانات على اجتيازها، فهل توافق على مرافقتنا في رحلة للبحث عن الكنز ؟ وافقَ الجملُ وركبَ الاصدقاءُ على ظهرهِ، بينما كان النسرُ يرافقهم من السماء، سارَ الجملُ بهم في الصحراء وكان الامرُ مشوقاً حتى وصلوا الى ساحلِ البحر حيث التقوا هناك بالسلحفاة، قال يوسفُ : اننا نبحثُ عن كنزٍ في الضفةِ الأخرى، ونحتاجُ الى مساعدتك كي تُرشدينا في البحر الى المسارِ الصحيح، فهل توافقين على مرافقتنا ؟ وافقت السلحفاةُ وصعدَ الاصدقاءُ على ظهرِ زورقٍ كبيرٍ سار بهم في البحر بين الامواج العالية حتى وصلوا الى واحةٍ خضراء، وكانت تنتظرهم هناك بومةٌ حكيمةٌ فقالت البومة : مبارك لكم فقد وجدتم الكنز أخيراً، قال الجميعُ متعجبين : أين هو الكنز ؟

أجابت البومةُ : منذُ أن انطلقتم للبحث عن الكنزِ سويةً عِبرَ الغابةِ المُوحشةِ والجبالِ الشاهقةِ، ثم عَبرتُم الصحراءَ والبحرَ سويةً وبكلِ شَجاعة ولم يسبق لأحدكم أن قامَ بمثلِ هذا العمل منفرداً، وسادت بينكم المحبة والأُلفة التي لم تعتادوها من قبل، برغم أنكم جئتم من أماكن شتى فأصبحتم أصدقاء وهذا هو أكبرُ الكنوزِ، فالصداقةُ الحقيقةُ لا يُعادِلُها أي كنزٍ .

الشَجَرة الانانية

يحكى أن هناكَ شجرةَ تفاحٍ جميلة جداً، مليئةٌ بالثمارِ الرائعةِ، وكانت تتمايلُ فخورةً بحباتِ التفاحِ الأحمر التي تُزينُها، كانت شجرةُ التفاحِ المغرورة تنظرُ إلى صديقتها شجرة الزيتون التي تقفُ بجانبها وتقولُ لها : أنا أكثرُ شباباً وجمالاً منكِ، فأوراقي تتجددُ كلَّ عامٍ وباستمرار وثماري جميلة وكثيرة وتُزينني بلونٍ أحمرٍ يزيدنني جمالاً ، والجميع يأتي إليَّ صغاراً وكباراً ويتمنون الأخذ من ثماري اللذيذة، أما أنتِ فأوراقكِ عتيقةٌ لا تتجددُ في الربيعِ وثماركِ طعمُها مرّ، ولا أحدٌ يقتربُ منها ولا يحبها.

 كانت هذه الكلماتُ تجرحُ شجرةَ الزيتونِ الطيبة التي كانت لا تردُ أبداً على شجرةِ التفاح وتكتفي بالصمت.

وفي يومٍ من الأيامِ جاءت شاةٌ صغيرةٌ وحاولت الاقتراب من شجرة التفاح لتطلبَ منها بعض الأوراق لتسد جوعها، ولكن شجرة التفاح الأنانية صاحت بغضبٍ شديدٍ وصرخت بالشاة المسكينةِ التي هرَبت بعيداً خائفةً وهي تبكي، فنادتها شجرةُ الزيتونِ الطيبةِ التي كانت تُراقبُ ماذا يحدث، وقدمت لها بعض أوراقها الطيبة، فأكلت الشاة وشكرت الزيتونةَ  كثيراً وذهبت بعيداً .

وبعد مرورِ القليلِ من الوقتِ جاءَ مجموعةٌ من الأطفالِ إلى شجرةِ التفاحِ وحاولوا قطفَ بعض ثمار التفاح اللذيذة من الشجرة، ولكن شجرة التفاح الأنانية رفضت إسقاط أي ثمار للأطفالِ، ضمت أغصانها بشدةٍ وخبأت جميع ثمارها بين الأوراق والأغصان، ومنعت أيدي الأطفال الصغيرة من الوصول للثمار . غضبَ الأطفالُ وساروا بعيدين عن الشجرة الأنانية، وكانت الزيتونةُ الطيبةُ تراقبُ كلّ أفعال التفاحة الأنانية وتحاول نصيحتها ولكنها لا تستمع للنصيحة أبداً.

وفي تلكَ الليلة عَصَفت رياحٌ شديدةٌ بالحديقةِ وتساقطت أمطارٌ غزيرةٌ، لم تتحمل شجرةُ التفاحِ المغرورة قوة الأمطار والرياح، حاولت الاستنجاد بالزيتونة، إلا أن صوتها لم يصل إليها بسبب شدة الرياح والعواصف، تساقطت ثمارُ التفاحةِ على الأرض ومعها الكثير من الغصون والأوراق الجميلة، وبعد مرور هذه العاصفة وهدأ المطر، واتضحت الصورة .. صارت شجرة التفاح مجرد شجرة محطمة قبيحةٌ مكسرة الاغصان، ليس لها أي ثمار أو أوراق، أخذت شجرة التفاح تبكي  بحزن شديد، تألمت الزيتونة الطيبة لما حدث للتفاحة الأنانية وقالت لها : لو كنتِ قدمت ما وهبكِ الله عز وجل بكرم وعطاء ، لما حدثَ لكِ كلّ هذا  .

ذكاءُ الببغاء

 

كان لأحدِ التجّارِ ببغاءٌ جميلُ المنظرِ، حسن الصوت، وقد بالغ في حُبه، والاعتناء به، حتى إنه كلّما عادَ من عمله مرَّ عليه في الحديقة قبل دخوله إلى منزله لشدة تعلقه به. 

وفي أحدِ الأيامِ أرادَ التاجرُ أن يسافرَ إلى بلادِ الهندِ مع بعض التجارِ فسأل كل واحد من أهله عمّا يُحب أن يحضره له من تلك البلاد من التحف والهدايا، فطلبَ كلّ واحد منهم ما يرغب في الحصول عليه ويشتهيه، ثمّ مرَّ بالببغاءِ فسأله عمّا يُحب أن يحضرَ له مما تحتويه بلادِ الهند من عجائبٍ وغرائب؟ 

فقال الببغاء: 

إن نفسي وأنا في هذا القفص لا تشتهي شيئاً، ولكن لي طلبٌ واحدٌ هو أن تبلّغ سلامي إلى ببغاوات الهند، وتبلغها أنني مشتاقٌ إلى رؤيتها كثيراً، وتشرح لها ما أجدهُ في القفصِ من فقْدٍ لحريتي بينما هي تسرحُ وتطيرُ حيثُ تشاء. 

فوعدهُ التاجرُ أن يفعل ذلك، ومضى في سفره، فاشترى وباعَ وأحضرَ الهدايا ، وحين انتهى من أعماله، وقبلَ عودته بأيامٍ مرّ بإحدى الغابات فوقفَ قريباً منها ،ونظر إلى الببغاوات وهي تطيرُ  فأبلغها سلامَ الببغاء وشرحَ لها حالهُ، فاضطربت الببغاوات ،وصاحت واحدةٌ منهنّ، وسقطت على الأرض وكأنها قد ماتت، فدُهِشَ التاجرُ وحزنَ وتأثرَ وقال: 

 لقد كنتُ السبب في موتها، فلم تحتمل ما سمعت ما يعاني ببغائي من حزنٍ، فماتت حزناً عليه، وعندما عادَ التاجرُ إلى بلاده ومعه الهدايا والتحف والتجارة الرابحة وقف قربَ الببغاء الذي فرح بقدومه، وقال له الببغاء : هل أبلغت سلامي وشرحت حالي للببغاوات؟ 

تنهدَ التاجرُ ونزلت دمعة من عينيه ثم أجهشَ بالبكاءِ، وقصَّ ما حدث للببغاء في الهند.

وما إن سمع الببغاءُ ذلكَ حتى هوى وكأنه قد فارق الحياة ، فحزنَ التاجرُ  وظن أنه كان السبب في موته أيضاً، فأخرجهُ من القفصِ، وقد لوى رأسه وأغمض عينيه، وفتح منقاره. 

وضع التاجرُ الببغاءَ قربَ الجدار وصارَ يتأملُ القفص ويتذكر أيامه الجميلة مع الببغاء، وحين أحسَّ الببغاء أنه صارَ خارج القفص، وأن التاجر لا يقوى على الإمساكِ بهِ، خفقَ بجناحيه وانطلق نحو الفضاء، ووقف على غصن شجرة عالية. 

فعجب التاجرُ وقال: 

 يا طائري الجميل، ماذا فهمت من ببغاوات الهند؟؟ 

قال: فهمتُ أن أتوقف عن إصدار الأصوات الجميلة، وأتظاهر بالموت لأخرج من القفص فأعيش بعد ذلك حراً طليقاً كبقية الطيور. 

فازدادَ عجب التاجر، وقال: 

 سبحان الله في كل مخلوق – مهما كان صغيراً – ذكاءٌ يمكنه أن ينقذَ نفسهُ به عندما تضيق عليه الأمور.

ُالفراشةُ الصغيرة

 

يُحكى أنه كانت هناك فراشةٌ صغيرةٌ وجميلةٌ ، تعيشُ مع أمها في منزلها الصغير، وفي يومٍ من الأيامِ خرجت الفراشةُ مع صديقتها بعد أن استأذنت أمها. انطلقتا الصديقتان  تتنقلانِ من زهرة إلى زهرة  ، وبعد مرور بعض الوقت هَمَست الفراشةُ الصغيرةُ إلى صديقتها قائلةً أنها بعدت كثيراً عن منزلها ،وقد نبهتها أمها ألا تبتعد أبداً عن المنزل حتى لا يلحق بها أي ضرر، ضحكت الفراشةُ الأخرى في سُخرية واستهزأت بكلامِ الفراشة قائلة لها : أنتِ جبانةٌ وتخافينَ من كل شيء، تعالي معي سوف أُريكِ أجملَ زهرةٍ في البستان .

ذهبت الفراشةُ الصغيرةُ وراءَ صديقتها لتثبت لها أنها لا تخشى أي شيء وأنها ليست جبانة. تنقلت الفراشتان بين الأزهارِ الجميلةِ والبساتين عذبة الرائحة، نَسيت الفراشةُ كلّ نصائح أمها وتحذيراتها، تذكرت فقط جمالَ الأزهارِ والبساتينِ وقطرات العسل اللذيذةِ المتناثرةِ فوق أوراق الأزهار .

استغرقت الفراشتان الصغيرتان في تذوق العسل اللذيذ من الأزهار ، وفجأة سادت السماء ظلمة عجيبة، رفعت الفراشة الصغيرة رأسها لترى ماذا يحدث، رأت الكارثة، حيث أخذت أوراق الزهرة آكلة الحشرات في الارتفاعِ بهدوءٍ لتلتهمهمَا معاً بداخلها، واكتشفت الفراشتان حقيقة ما يحدث .

أصابهما  ذعرٌ شديد وحاولا التخلص من الأوراقِ بكل الطُرقِ ولكن فشلتا، حتى باتَ الهلاكُ لا مفرَ منه، وبعد أن بدأ الاستسلامُ يسيطر عليهما، فجأة ظهرَ ظلٌ عجيبٌ والتقطهما من قلبِ الزهرة آكلة الحشرات إلى خارج البستان وزال الخطر .

نظرت الفراشةُ الصغيرةُ إلى الظل الذي أنقذهما فوجدته أمها التي أخبرتها أن إحدى جاراتها الفراشات قالت لها : أن ابنتكِ وصديقتها ذهبتا ،  باتجاه بستان الازهار الآكل للحشرات، فابتسمت وشكرت الله عز وجل واعتذرت لأمها قائلة : أعدُكِ يا أمي لن يتكرر هذا الامر مرة ثانية  .

قصة البازلاء الخمس

الجزيرة المفقودة

يحكى أن شاباً صغيراً كان يحبُ الاسفار وكان يحرصُ دائماً على ان يمسكَ بقصةٍ من القصصٍ المفيدة النافعة ويقرأ فيها طوال رحلته، وكانت أحَبها الى قلبه سلسلة من روائع الحكايات وغيرها من القصص، وفي يومٍ حدثت له قصة غريبة وعجيبة، بل هي أعجبُ من الخيال نفسه .

بينما هو يعيشُ مع أجواء الحكايات العجيبة التي استحوذت على كُلّ حواسه، إذ بالسفينة تصطدم بصخرة ، وراحت الامواج تعلو وترتفعُ ثم تضرب السفينة حتى غَرَقَت في الماء، تَمسكَ الشابُ بلوحٍ من ألواحها وراحَ يحاولُ النجاة حتى استطاعَ أن يصلَ الى شاطئ جزيرة .

ما أن وصلَ الشابُ الى شاطئ الجزيرةِ حتى وجدَ أعداداً كثيرةً من الناسِ ترتدي ملابس بدائية وما أن رأوه حتى أطلقوا هتافاتهم ” عاش الملك .. عاش الملك ” ثم حملوه بعد أن وضعوا التاج على رأسه وذهبوا به الى قصرٍ فوجد فيه كل ما لذ وطاب من الطعام والشراب وكل أسباب النعيم .

اهتم الشابُ بأمرِ الجزيرة فقد كانت فقيرة قاحلة فأمر بالزراعة والصناعة وبناء المدارس والمستشفيات وحاول أن ينشرَ العلم والثقافة في أنحاء الجزيرة، ثم سأل الوزير : ما سر الجزيرة ؟ فأجاب الوزيرُ : يتولى أمرنا أحد الغرباء لمدة عام واحد فقط، ثم نقومُ بعدها بنفيه الى الصحراء يقضي باقي حياته فيها ، ذهبَ الملكُ الى الصحراء فوجد الملوك السابقين وقد كساهم الشيب والحزن .

وهنا أمرَ الملكُ بتعمير الصحراء وتحويلها الى جنةٍ فيحاء، فلما انقضت مدته أرغموه على مغادرة الجزيرة ليلحق بالملوك الذين سبقوه، لكنه كان سعيداً مسروراً لأنه عمل لذلك اليوم ولم يغتر بالنعيم الذي عاش فيه .

العبرة من القصة : لم يكن من الحكمة أبداً ان يهتم هذا الشاب بالعيش لمدة عامٍ في الرغد والرفاهية وهو يعلمُ أنها سوف تنتهي جميعاً يوماً ما، ويستمر في هذا دون أن يعملَ لليومِ الذي ينتهي فيه كل هذا، وهكذا هي حياتنا، ليس من الحكمة أبداً أن نعيشَ ونهيم بالحياة الدنيا كأننا نعيشها للأبد ،دون أن نعمل لآخرتنا، ونحن نعلمُ أننا مفارقين هذا العالم لا محالة .

شَجَرَةُ التُفاحِ

 

في زمنٍ بعيدٍ كان هناكَ شجرةُ تفاحٍ ضخمة، وكان هناكَ طفلٌ صغيرٌ يُحبُ أن يلعبَ حولَ هذه الشجرة يومياً، كان هذا الطفلُ معتادٌ على تسلقِ أغصانها والأكل من ثمارها اللذيذة كُلّ يومٍ، وبعد ذلك يغفو قليلاً في ظلها، كانت شجرةُ التفاحِ ايضاً تحبُ هذا الطفل الصغير .. مرَّ الزمنُ وكبُرَ الطفلُ وأصبحَ لا يلعبُ حولَ هذه الشجرة أبداً، وذاتَ يومٍ عادَ الصبيُ حزيناً، فقالت له الشجرةُ : تعالَ والعب معي، فقال لها الولدُ : ولكنني لم أعُد طفلاً صغيراً حتى العبَ حولك، أنا أريدُ بعض الألعابِ واحتاجُ بعضَ النقودِ لشرائها، فقالت له الشجرة : ولكنني لا أملكُ أي نقودٍ، ولكن يُمكنكَ أن تأخذ بعض  ثماري وتبيعها وتحصل على النقود بهذه الطريقة .

فرحَ الولدُ كثيراً بفكرةِ الشجرة، وبالفعل تسلقها وأخذَ يجمعُ ثمارها ثمّ نزلَ من عليها سعيداً ولم يعُد اليها بعد ذلك، كانت الشجرةُ حزينة جداً تنتظره كلّ يومٍ، وذاتَ يومٍ عادَ الولدُ الى الشجرةِ ولكنه لم يعد ولداً، لقد اصبح رجُلاً، كانت الشجرة سعيدةً جداً لعودته وقالت له مرة اخرى : تعالَ العب معي، فأجابها : أنا لم أعد طفلاً لألعبَ حولك، لقد اصبحتُ رجُلاً مسؤولاً عن عائلةٍ، واحتاجُ الى منزلٍ حتى يكونَ لهم مأوى، فقالت الشجرةُ : أسفةٌ فأنا ليس لديّ منزلُ، ولكن يُمكنكَ أن تأخذَ جميع أفرعي وتبني منها بيتاً لك، فأخذَ الرجلُ يقطعُ من افرعِ الشجرةِ ثم تركها وغادرَ . كانت الشجرةُ سعيدة لرؤيته سعيداً ولكنه لم يعد اليها من جديد .

وهكذا أصبحت الشجرةُ حزينة جداً، وفي يومٍ شديدِ الحرارة ، عادَ الرجلُ من جديدٍ وكانت الشجرةُ في مُنتهى السعادة لعودته، وقالت له تعالَ والعب معي، فقال لها الرجلُ : أنا في غاية التعب، وقد بدأت أكبرُ في السن، وأريد أن أُبحر لأي مكان حتى ارتاحَ قليلاً من عناءِ الحياة، وطلبَ منها أن تُعطيه مركباً، فأجابته: يمكنك أخذ جذعي لبناء مركبك…وبعدها يمكنك أن تُبحر به أينما تشاء…وتكون سعيداً ، وبالفعلِ قطعَ الرجلُ جذع الشجرةِ وبنى لنفسهِ مركباً، وسافرَ به ولم يعُد لفترةٍ طويلةٍ جداً، وبعد غيابٍ طويلٍ جداً ، عادَ الرجلُ، ولكن الشجرة أجابت وقالت له : آسفةٌ يا صديقي  لم يعد عندي أي شيء لأعطيه لكَ، حتى لم يعد لديّ تفاح، فقال لها : لا عليكِ فأنا لم يعد لديّ أسنانٌ لأكل التفاح . قالت الشجرةُ : لم يعد عندي جذع لتتسلقه ولم يعد عندي فروع لتجلس عليها فأجابها الرجل : لقد أصبحت عجوزا اليوم ولا أستطيع عمل أي شيء، فأخبرته : انا فعلاً لا يوجد لدي ما اعطيه لك، كل ما لدي هو مجرد جذور ميتة، وأخذت الشجرة تبكي، فقال لها الرجل : كلّ ما أحتاجه الآن هو مكانٍ استريحُ فيه ، فأنا متعبٌ بعد كل هذه السنين، فقالت له الشجرة : جذور الشجرة العجوز هي أنسب مكان لك للراحة تعال …تعال واجلس معي هنا واسترح معي، فنزل الرجل إليها وكانت الشجرة سعيدة به والدموع تملأ ابتسامتها ..

 

 

 

 

 

 

أنا والظلام

في يومٍ من الايامِ كان هُناكَ ولدٌ صغيرٌ ينامُ في غرفته ليلاً بمفرده، و كانَ شديد الخوف من الظلام و دائماً ما يبدأ عقله ينسجِ الافكار و الخيالات المُخيفة بمجردِ حلولِ الظلام . يفكرُ دائماً انه هناكَ شبحٌ مُخيفٌ يحومُ حولهُ ، وهناكَ في جانبِ غرفته مخلوقٌ يسمى الظلام، هذا المخلوق المجهول المخيف الذي سيهاجمه يومياً . كانت ترعبهُ هذه الفكرة كثيراً ،و تجعلهُ ينامُ مُسرعاً منكمشاً على نفسه، ولا يحاولُ النظر الى الظلامِ أبداً حتى لا تبدأ افكاره مجدداً .

وفي يومٍ من الايامِ اثناءَ نومه وحيداً في غرفتهِ الصغيرة نظرَ الى الظلام  و تَمالكَهُ الخوف، و فجأة تحققت جميعُ مخاوفهِ  أمامَ عينهِ فقد خرجَ من قلبِ الظلامِ كائنٌ ، هذا الكائنُ على شكل فتاً صغيراً يشبههُ تماماً، وقفَ أمامهُ في ثقةٍ . ارتعدَ الفتى الصغير خوفاً و سألَ الشبحَ في خوفٍ مَن أنتَ ...  و ماذا تُريدُ مني ايها الشبح ؟ كيف يمكنني أن أجعلكَ تذهب دون ان تصيبني بمكروه ؟ ارجوك اتركني . ردَّ عليه الظلامُ في هُدوءٍ و بنظرةٍ شاحبةٍ مُرعبةٍ جداً : انا الظلامُ و يبدو من نظرتك و زرقة وجهك أنكَ تخافني كثيراً.... أليسَ كذلك ؟ ردَّ عليه الفتى الصغير في اندهاش، فهو لم يكن يتوقع أبداً ان تكون مخاوفهُ حقيقية، و أن هناكَ كائنٌ حقيقيٌ يُسمى الظلامُ، و يقفُ الان أمامهُ يخاطبه : نعم انا اخافك . فانت تجعلني أتخيلُ اشياء مُخيفة لا تُرى بداخلك .

ابتسمَ الظلامُ في هدوءٍ قائلاً : انا لم ولن أزعجكَ أبداً . فأنا اتواجدُ فقط عند من يخافني كي أقول له انه لا يوجد أي داعي للخوفِ و الذعر . لا تخف مني ولا من أي مخلوقٍ غير قادر على ايذاءك . و الان بما انكَ قد عرفتني تماماً و استجمعتَ قِواكَ و شجاعتكَ للحديثِ معي، فأنا سوفَ أذهب الان و أنا واثقٌ انكَ لن تخاف مني مرة أخرى .

بدأ الفتى في البكاءِ حزيناً فسألهُ الظلامُ لماذا تبكي ؟ فأجابه: انني لا أبكي خوفاً ،و لكن حزيني على حال الظلام الطيب الذي يساعدُ الغير، و لكن الكثير يخافونه . ضحكَ الظلامُ و قالَ : ان له العديد و العديد من الاصدقاء الذين لا يخافونه أبداً و سوفَ يكون هذا الفتى الصغير صديقة الجديد . انهى الظلام كلامهُ و اختفى تماماً .

من يومها و الفتى الصغير لا يخافُ الظلام أبداً و كُلما جلسَ في غرفته المظلمة وحيداً ، تذكر شيئاً واحداً و هو صديقه الظلام الذي  يتمنى انه يراهُ مرةً أخرى .

الحوتُ الظالمُ والسمكةُ الذكيةُ

كان ياما كان في قديمِ الزمان كان هُناكَ حُوتٌ ضخمٌ يتغذى على الاسماكِ الصغيرة بجميع أنواعِها، وكان يَلتهمُ كُلّ ما يقابلهُ من أسماكٍ ولا يفرقُ بينَ أحدٍ، وعلى الرغم من أنهُ من الطبيعي أن يتغذى الحوتُ على الاسماكِ، فهذه طبيعته التي خلقهُ اللهُ عَزَّ وجَلْ به، ولكن هذا الحوتُ يَلتهمُ ويقتلُ الاسماكَ متعمداً حتى وإن لم يكن جائعاً، لأنه كان يكرهُ الاسماكَ ويَحقِدُ عليها كثيراً، ويشعرُ بسعادةٍ بالغةٍ كُلما قتلَ المزيد والمزيد من الاسماكِ المسكينة، وكانت جميعُ الاسماك تكرهَهُ وتتمنى أن يأتي اليومَ  الّذي تتخلص منه ومن شرهِ ، لأنه يأكلُ عائلتهم وصغارهم .

و ذاتَ يومٍ جاءت سمكةٌ صغيرةٌ ذكيةٌ وجلست بالقرب من أُذُنِ الحوت وقالت له : السلام عليك أيها الحوت الضخم، رد الحوتُ : مَن أنتِ ؟ قالت السمكةُ : أنا سمكةٌ صغيرةٌ جداً ولكن لديَّ فكرة رائعة لكَ ، قالَ الحوتُ في سُخرية : وما هذه الفكرة قوليها على الفورِ وإلا التهمتُكِ، شَعَرَت السمكةُ الصغيرةُ بالخوفِ الشديدِ، ولكنها أصرت أن تمضي في خطتها، وقالت للحوت : أنك دائماً تأكلُ الاسماكَ، ألم تمل أبداً من ذلك وتريد أن تجربَ طعماً جديداً ؟ قال الحوتُ : وهل لديكِ طعاماً آخر لي ؟ قالت السمكةُ : هل جربتَ من قبل طعمَ الإنسان ؟ أنه لذيذٌ جداً وشهيٌ، أحسَّ الحوتُ برغبةٍ شديدةٍ في أن يتذوقَ هذا الطعم، وأخذَ يسألُ السمكةَ في اهتمام : ولكن أينَ أجدُ هذا الانسان ؟ قالت السمكة : يمكنكَ الصعودُ على سطحِ البحرِ وستجد قوارب كثيرة تحملُ أُناساً كثيرين، افتح فمكَ الكبير وابتلع القارب بكل مَن فيه .

وكان هناكَ صياداً  يعيشُ في قريةِ السعادة التي تقعُ بالقربِ من شاطئ البحر، وخرجَ يومها للصيدِ وأخذَ يبتعدُ ويبتعدُ للبحثِ عن المزيدِ من الاسماكِ، ولكنه وجدَ نفسهُ فجأةً أمامَ الحوت الكبير الذي فتحَ فمهُ وابتلعهُ مع قاربهِ الصغير، وفي ثواني معدودة وجد الصيادُ  نفسهُ مع قاربه في بطن الحوت، أخذ يفكر في طريقة للخروج ، فأخذَ يضربُ أحشاءَ الحوتِ بكل ما أوتي من قوية، فشعرَ الحوتُ بألمٍ شديدٍ في بطنه، فنادى : ماذا تفعل أيها الانسان ؟ قال الصيادُ : انني أتمرنُ، قال الحوتُ في غضبٍ : توقف عن ذلك فأنتَ تؤلمني بشدة، قال الصيادُ : لن أتوقف إلا لو سمحتَ لي بالخروج، اشتدَ غضب الحوت وقال : لن أدعكَ تخرج عِقاباً لكَ على ضرباتك .

فقامَ الصيادُ بجمع بعض الاخشابِ من قاربه الذي ابتلعه الحوت واشعلَ فيه النيران، فأحسَّ الحوتُ بألمٍ شديدٍ جداً فنادى قائلاً : ماذا تفعل أيها الانسان ؟ قال الصيادُ : الجوُ باردٌ جداً واريد أن أتَدفئ ، فأشعلت بعض الحطبِ، قال الحوتُ : اطفئها انكَ تُحرقني، قال الصيادُ : لن اطفئها حتى تسمحَ لي بالخروج .

في هذه الاثناء كانت السمكةُ الصغيرةُ لا تزال تجلسُ عند أُذن الحوت تراقبُ ما يحدث فقالت السمكةُ للحوتِ : يبدو أن هذا الانسان غير عادي فلابدَ أن تسمحَ لهُ بالخروج . فقررَ الحوتُ ان يسمحَ للصيادِ بالخروج بالفعل، وقال لهُ : سأفتحُ فمي وانتَ اخرُج بسرعةٍ . قال الصيادُ : لقد تحطمَ قاربي وعليكَ ان تضعني بالقرب من الشاطئ حتى لا اغرق ، قال الحوتُ : هذه فرصتكَ الاخيرة إما ان تخرج وإلا لن اسمحَ لكَ بذلك أبداً، ردَّ الصيادُ  بثقة : افعل ما تشاء وسوف استمر انا بإشعال المزيد من الاخشابِ ، اشتدَّ الالمُ على الحوت حتى اصبح الالمُ لا يُطاق، فهمست السمكةُ الذكيةُ في أذنه : الافضل ان تضعَ هذا الانسانُ على الشاطئ والا سيتسببُ في قتلكَ، وبالفعلِ انطلقَ الحوتُ الى الشاطئ، حيث تجمعَ العديدُ من الصيادين يبحثونَ عن زميلهم الصياد الذي تأخر كثيراً، وبينما هم كذلك رأوا الحوتَ الضخم يقتربُ منهم، فاطلقوا تجاهه الحِراب والسِهام من كل جانب، ولم تمضِ لحظات قليلة حتى كان الحوت جثةً هامدةً، وخرجَ الصيادُ سالماً، وعَمّت الفرحةُ الشاطئ واعماق البحار بعد أن تخلصت الاسماكُ من الحوتِ الظالم 

 

حب لأخيكَ ما تحب لنفسك

سُئِلَ أحدُ الحُكَماءُ يوماً :

ما هو الفرقُ بين مَن يتلفظ بالحبِ ومَن يَعيشه ؟

قالَ الحكيمُ سوفَ ترون الان .

عَمِلَ وليمةً ودعا الناس اليها ، وبدأ بالذين لم تتجاوز كلمة المحبة شفاهَهُم ولم ينزلوها بعد إلى قلوبهم ،

 وجلس إلى المائدة، وهم جلسوا بعده…

ثم أحضرَ الحساءَ وسَكبهُ لهم ، وأحضرَ لكلِّ واحدٍ منهم ملعقةً بطول متر!

 واشترط عليهم أن يحتسوه بهذه الملعقة العجيبة !

حاولوا جاهدين لكنهم لم يفلحوا  ،فكل واحدٍ منهم لم يقدر أن يوصلَ الحساء إلى فمهِ دُونَ أن يسكبهُ على الأرض !!

وقاموا جائعين في ذلك اليوم

قال الحكيم والآن انظروا !

ودعا في اليوم التالي الناسَ الذين يحملونَ الحبَ داخلَ قلوبهم إلى نفس المائدة التي عملها بالامسِ

وقدم إليهم نفس الملاعق الطويلة

فأخذَ كلّ واحدٍ منهم ملعقتهُ وملأها بالحساءِ ثم مدّها إلى جاره الذي يجلسُ بجانبه  ، وبذلك شبعوا جميعهم ثم حمدوا الله ..

وقفَ الحكيمُ وقالَ في الجمعِ حكمَتَهُ والتي عايشوها عن قرب :

مَن يُفكر على مائدة الحياة أن يُشبِعَ نفسهُ فقط فسيبقى جائعاً ، ومَن يُفكرُ أن يُشبعَ أخاهُ سيشبعُ الاثنانِ معاً

 

الأصدقاءُ الأربعة

 

كان لسجادٍ أبٌ كريمٌ يعطفُ عليه ويرعاهُ ، وعندما ماتَ الاب أصبح سجاد يعاني من اليتم والفقر  والحرمان . ولكنه لم ييأس ، بل قررَ أن يعملَ ليكسبَ قُوتَ يومهِ.

وفي طريقهِ أبصرَ حماراً نحيلاً . قال له سجاد : ما بكَ أيها الحمار الحزين ؟ فأجابهُ الحمارُ : لقد أصبحتُ مُسناً لا أقدرُ على العمل ، وصاحبي لا يُقدمُ لي ما يكفي من الطعام .

 فأشفقَ عليه سجاد ، وقال لهُ : هيّا بنا إلى الغابةِ لعلنا نجدُ هنالكَ حشيشاً أخضر تتغذى به . وانطلقا معاً إلى الغابةِ


وبينما كان سجاد يَحِثُ الحمارَ على السيرِ ، سمعَ صوتَ نباحٍ ضعيفٍ فالتفت ، فوجد كلباً يلهثُ قُربَ شجرةٍ يابسةٍ

سأله سجاد : ما بكَ أيها الكلب ؟ فأجابه الكلبُ : لقد منعني صاحبي من الطعام ، لأنني غَدوتُ عجوزاً لا أقوى على حراسة البيت والغنم


فقال سجادٌ : لا تبتئس أيها الكلب العزيز . تعال معنا لعلني أجدُ لكَ شيئاً تأكُله . وتابعَ الجميعُ طريقهم نحو الغابةِ

وسمعَ سجادٌ صوتَ قطٍ يموء ، فسأله عن حالهِ فأجابه القطُ : كنت أعيش في منزل ، أصيد الفئران وأقتل الحشرات ، فطردني أصحابه لما رأوا كبري وعجزي

وعندما وصلَ الجميعُ إلى الغابة ، ناموا متعبينَ ،إلا أن الكلبَ استيقظَ على صوتٍ ينبعثُ من الغابةِ ، فقفز إلى رفاقه يوقظهم من النوم ، وحين علمَ الجميع بالخبر، صعد القط شجرةً عالية ، ونظر ، فقال لأصحابه : أرى منزلاً في الغابة فيه نورٌ ، ومنه تنبعثُ الأصوات.

كان المنزلُ لرجلٍ عجوزٍ أتعبهُ المرض فنامَ . قفزَ الكلبُ على ظهرِ الحمار وقال : أرى جماعةً من الرجالِ الأشرارِ يقتسمون الذهب الذي سرقوهُ من الرجلِ العجوزِ .

فأخذ الحمارُ ينهقُ ، و الكلبُ ينبحُ ، و القطُ يَموءُ ، وسجادٌ يصيحُ فما كان من الأشرارِ إلا أن تركوا الذهبَ ، وهربوا خائفينَ

وهكذا دخلَ الجميعُ المنزلَ ، وأعادوا للعجوزِ ثروته، ففرحَ بهم وشكَرَهم، ووَهَبَ القصرَ والذهبَ للأصدقاء الأربعة . فعاشوا جميعاً برفقة العجوزِ  سُعَداءَ مسرورين .

 

لا تغركَ المظاهِر

 

خرجَ فأرٌ صغيرٌ لوحدهِ من جُحرهِ لأول مرة. وبعدَ لحظاتٍ قليلةٍ عادَ مذعوراً  خائفاً وقد نجا من الموت.

سألته أمهُ عمّا حدثَ له  فقال لها: خرجتُ إلى المزرعةِ المجاورة فاعترضني مخلوقانِ عملاقانِ، الأولُ هادئٌ ولطيفٌ ، له فِراءٌ ناعمٌ وشاربينِ طويلينِ وأذُنُينِ تشبهان أذني وعينين واسعتين وصوتٌ رقيق.

 والثاني شَرِسٌ مُخيفٌ، ذيلهُ منَ الريشِ ورأسهُ أحمرٌ ، وصوتهُ مريعٌ مُخيفٌ، أدخلَ الرُعب في قلبي فهربت منه إلى الجحر. لقد كنتُ أتمنى لو بقيتُ مع المخلوقِ الهادئ.

 ردت الأمُ : إنني سعيدةٌ بعودَتكَ سالماً ! لقد كنتَ في خطرٍ عظيمٍ . فصديقكَ اللطيفُ هو القط المُريع آكل الفئران، فقد أكلَ أباكَ وجدّكَ وأخاكَ.

أما الآخر صاحب الصوت العالي فهو صديقنا الديك، لقد رفعَ صوتهُ لينقذَكَ ويعيدكَ إليَّ سالماً.

الصياد والسمكة الضائعة

الشمسُ ترسلُ أشعتها الذهبية لتشعَ النورَ والدفءَ  في كل مكان ومع وصول أول هذه الأشعة إلى الأرض  يخرج العم حامد لكي يصطاد، يحمل على كتفه شباكه الكثيرة،

يصل إلى النهر ويركب مركبه الراسي على الضفة الغربية للنهر يبسمل 

بسملته المعتادة ، بعدها يلقي بشباكه في النهر ثم ينتظرُ قليلاً وبعدها يسحبُ الشِباكَ مرة أخرى ممنياً نفسه بصيد وفير .. لكن يخيب أمله وتخرجُ الشباك خاوية تماماً من أي نوع من أنواع الأسماك التي يزخر بها النهر، اللهم إلا قليلاً من صغار السمك الذي لا يصلح للبيع أو حتى للطعام، فيردّه مرة أخرى للنهر علّه عندما يكبر يصطاده.

يكرّر عم حامد محاولاته في طرح الشباك وسحبها - يتذكر أباه حينما قال له يا بُنيّ الصيد مهنة الصبر فتحلّ به يرزقك الله - لكن في كل مرة تخرج الشباك كما هي ليس بها إلا قليل من صغار السمك .. انتصف النهار والحال كما هو الحال ففكرَ عمّ حامد في إلقاء الشباك بالقرب  من الشاطئ ويذهب ليتناولَ طعام (الغداء) ثم يعود إلى شباكه لعل يجد بها شيئاً . في تلك الأثناء كان مصطفى  يستعد ليواصلَ رحلةَ صيده اليومية حيث أنه يصطاد الأسماك لكي يأكلها هو وأمه وأخوته أو يبيعها ويشتري بثمنها طعاماً آخر .. فأبوه توفي منذ زمن وهو أكبر أخوته وكان يجب عليه أن يتركَ مدرسته ويعملُ حتى يستطيعَ أن ينفقَ على نفسه وأمه وأخوته. أبوه لم يترك لهم شيئاً وهو لم يتعلمْ أيّ مهنة يستطيع من خلالها أن ينفق على نفسه وأسرته كما أنّ المهنَ التي عمل بها بعد وفاة أبيه لم يُفلحْ فيها؛ فلذلك اتجه للصيد فهو هوايته منذ صغره وحبه الأثير. أخذ مصطفى سنارته وطعومَ السمك التي يصطادُ بها وذهب إلى النهر وجلس في مكانه المفضلِ على حافة النهر بعدها ألقى سنّارته ، وعندما شعر بهزة في يده أسرعَ وأخرج السنارة  لكنه لم يجدْ بها شيئاً. عاد وألقى السنارةَ مرة أخرى وإذا به يشعرُ بهزةٍ عنيفةٍ في يده فأخرج السنارة على الفور فرأى مقدمةَ سمكةٍ كبيرةٍ جداً.

حاول إخراجَ السمكةِ لكنّ جسدَهُ الضئيلَ لم يساعدْهُ على إخراج السمكة وخاصةً بعد أنْ رأى أنّ هناك خيوطَ شِباكٍ ملقاةٍ في النهر تعوقُهُ هي الأخرى عن إخراج السمكة.

 

وعندما مالَ على حافة النهرِ وحاول تخليصَ السمكةِ من خيوطِ الشباكِ هاجمَه من الخلف صوتٌ أجشّ قال له :  ماذا تفعل هنا يا فتى؟ وما هذا الذي أراه في يدك؟

-إني أصطاد والتي في يدي هذه سنارتي . توقف برهة وعاد يقول: أيوجد قانون يمنع الناس من الصيد؟

- حتى الآن لا يوجد لكن يوجد أناس أقوياء مثلي يبلعون أناس ضعفاء مثلك . لوّح صاحب الصوت الأجش بيده ناحية النهر وعاد يقول : مثل الأسماك التي في النهر فإن كبيرَها يأكلُ صغيرَها.

- لكن هناك قانون ، وهناك قضاة وحكّام فلسنا في غابة ولسنا كالأسماك بلا هوية لا تعرف إلا الماء وطناً لها.

-على رسلك يا فتى .. فأنت مازلت صغيراً على كل هذا .

-صغير؟ .. صغير على ماذا أيها الرجل ؟

- أراك تعارضني وأنت فتى صغير .. اذهب يا بني لأمك أنت بحاجة لكي تطعمَك فتتها الشهية .

السمكة تبدل نظرها بين الفتى والرجل وتحاول الهروب من خيوط الشباك اللعينة التي تحكم قبضتها عليها.   اغتاظ مصطفى من الرجل و ردّ عليه بلهجة عنيفة: لم أعد صغيراً حتى تطعمني أمي بيدها.

- حسناً حسناً وماذا تريد مني الآن؟

-  أريد سمكتي التي اصطدتها بسنارتي  إنّ أمي وأخوتي في انتظاري حتى أعود إليهم بما رزقنا به الله لكى تمتلئ بطونهم الخاوية.

- وإذا لم أعطك السمكة التي تزعم أنها ملكك  ماذا ستفـعل ؟

قاطعه مصطفى قائلاً :  لا تقل أني أزعم بل هي ملكي بالفعل وسوف تعطيها لي شئت أو لم تشأ.

 -يا بنيّ تلك السمكة هي ملكي وأنت وجدتها في شباكي فهل تريد أن تأخذ شيئاً ليس من حقك؟

بلغ الضيق بالسمكة مداه وصرخت فيهما :- - خلصاني من هذا الأسر، اما أن تتركاني أعود لأولادي في النهر أو تأخذاني  وتريحاني أفضل من هذا العذاب الذي أنا فيه . نظر الفتى إلى السمكة ثم عاود النظر إلى الرجل  وقال : فلنذهب إلى قاضي المدينة، هو الوحيد الذي يستطيع أن يفصل بيننا وما سيحكم به سوف يسري على كلينا.

وافق عم حامد على فكرة الفتى ووافقت عليها أيضاً السمكة، وذهبوا جميعاً للقاضي لعرض المشكلة عليه وبعد أن وصلوا إلى دار الحكم طلب القاضي منهم أن ينتظروا قليلاً حتى ينتهي من الفصل في إحدى القضايا المنظورة أمامه.  انتظروا. مرّ الوقت بطيئاً .. القلق يكاد يقتل الفتى، فأمه وأخواته ينتظرون عودته لهم بالطعام. الخوف يملأ قلب الفتى الصغير، فماذا لو لم يحكم له القاضي بأخذ السمكة ؟ إنها لطامّة كبرى،

 سينام هو وأخوته وأمه بدون طعام هذه الليلة مثلها مثل ليال كثيرة مضت . استيقظ على صوت الحاجب الصاخب وهو ينادي : قضية السمكة!

 دخل الفتى وعم حامد ومعهما السمكة إلى ساحة القضاء التي  يتوسطها رجل في العقد السادس من عمره، وجهه كثيرُ التجاعيد تطلّ بعضُ الشعيراتِ البيضاء من أسفل عمامتهِ الكبيرة، يرتدي ملابسَ فاخرةً مزركشة. بعد أن سمح للمتقاضيين بالمثول أمامه نظر إليهما في عجب وقال : اني في عجب من أمركما فما هو الشيء الذي تنازعان عليه لكي تأتيا إلى دار الحكم حتى نفصل لكما فيه.  ثم نظر إلى الرجل وعاد يقول: وأنا أرى أنك رجلٌ كبيرٌ  والذي تقاضيه فتى صغير في عمر ابنك! حاول الرجل أن يتكلمَ ليوضحَ للقاضي المشكلة، وفي نفس الوقت حاول الفتى أن يتكلمَ أيضاً لكنّ الحديثين تداخلت كلماتهما في بعضهما البعض ولم يصل إلى أذن القاضي سوى كلمات مشوشة فأمرهما بالسكوت ، وبعد برهة من الوقت أمر القاضي الرجل الكبير بالحديث

فقال عم حامد : سيدي القاضي .. أنا كما ترى صياد ، ورزقي ورزق أولادي يعطيه الله لي يوماً بيوم  واليوم خرجت كعادتي للصيد ، ولكني لم اصطد شيئاً حتى موعد الغداء. فكرت بيني وبين نفسي بأن ألقي الشباك وأذهبَ لتناولِ طعامِ الغداء وأعود لكي أخرجَها وأخرجَ  ما فيها من أسماك فهي رزقي ورزق أولادي لكن عندما عدت إلى النهر وجدت هذا الفتى يحاولُ أن يخرجَ تلك السمكة ويخلّصها من خيوط شباكي ، وعندما سألته، لماذا تصطاد في هذه المنطقة مع أن هناك علاماتٍ طافيةً على

سطح الماء توضحُ أنه يوجد شِباكٌ ملقاةٌ لشخص أخر؟ لم يجبني وأصرّ على أخْذ السمكة، وعندما حاولت منعَهُ قال لي لنحتكمَ إلي ( دار الحكم ) وثقةً مني يا سيدي في نزاهة حكمكم المشهود بها في طول البلاد وعرضها، أثرتُ اللجوء إليكم لتحكم بيننا.

حمحم القاضي وقال : - مفهوم .. مفهوم . ثم نظر إلى الفتى الصغير وقال له : وأنت أيها الفتى ماذا عنك وعن قصتك؟

 رد الفتى بصوت حزين وقال : مولاي القاضي .. أنا أخٌ لأربعة أخوة غيري وأيضا عائل أسرتي كلها بعد أن مات أبي ومرضت أمي .. ولم أجد أمامي بابًا للرزق سوى الاصطياد، لأنه كما  ترى يا سيدي أنا فتى صغير ولم يشتدّ عودي  بعد، وقد طفت بكثير من المهن والحرف ، ولكني لم أفلح في الالتحاق بأحد منها أو تعلّمِ أيّ صنعة أو حرفة تعينني على تحمل المسئولية الملقاة على عاتقي، وقد عملت بنصيحة أمي بأن أتوجه إلى النهر لكي أصطاد وأنّ كل ما يرزقني به الله هو رزقنا، وكل ما قاله عم حامد هو كلام كله صحيح ، ولكن ليس له الحق في أخذ السمكة. قاطعه القاضي بحزم وشدة : كيف .. كيف ليس له الحق في أخذ السمكة وأنت تقول أن كلامه كله صحيح ؟ أليست هذه السمكة هي نفسها تلك السمكة التي وجدتها في شباكه ؟

 رد الفتى في هدوء وثقة : نعم إنها هي السمكة نفسها ، ولكنّي أطلب من سيدي القاضي أن يفسح صدره لي ويسمعني جيداً .

نظر إليه القاضي باستغراب وقال : قل ما عندك فكلّي آذان صاغية .

قال الفتى : ذات مرة كنت أسير في الطريق وإذا بي أشعر بالعطش الشديد  فانزويت ناحية إحدى القدر الموضوعة على جانب الطريق كي أروي عطشي منها وبعد أن شربت ورويت عطشي وجدت تحت قدمي شيخ عجوز ابتر القدمين ولا يستطيع الوصول إلى كوب الماء لكي يملأه ويشرب منه وعندما رأيت عجزه الظاهر وعدم قدرته على الوصول إلى كوب الماء الموجود أعلى القدر قمت بملء الكوب وأعطيته ليشرب.

 بعد أن فرغ من الشرب .. شكرني ودعا لي بالخير والسلامة.

 فقلْ لي يا سيدي يا ترى لمن يكون أجر الثواب ؟ هل للذي وضع القدر وتعب في ملئه أم لي أنا الذي سقى الشيخ العجوز؟

رد القاضي قائلاً : لك جزاء يا فتى ولصاحب القدر جزاء ، ولكن قل لي أنت ما علاقة كل هذا الكلام بموضوع قضيتنا تلك ؟

رد الفتى مسرعاً : سيدي القاضي أنت تعلم أن النهر ملكاً للجميع وليس حكراً على أحد وأن ما به من خيرات هي ملك للناس جميعاً وهذا النهر يشبه في حكايتي الطريق الذي كنت أسير فيه ، والشباك التي ألقاها عمي حامد ما هي إلا أداة لإخراج السمك من النهر وهي تشبه القدر في حكايتي الذي هو أداة لتوفير قدر كبير من المياه للناس.

قاطعه القاضي وقال له : والكوب ماذا يمثل في حكايتك ؟!

رد الفتى بنفس هدوئه وثقته : الكوب يا سيدي في حكايتي يمثل السنارة التي بواسطتها استطعت أن أخرج هذه السمكة من النهر. ولذا فإن هذه السمكة هي ملكي أنا لأني الذي تعب في استخراج طعوم السمك وأيضاً الذي تعب في إخراج السمكة من النهر.

قال له القاضي: لكن في حكايتك كان الثواب لك ولصاحب القدر فلماذا تريد أن تأخذ السمكة كلها لك فقط .

 رد الفتى: نحن أمامك يا سيدي وما تحكم به سوف يرضينا.

نظر القاضي إلى الرجل وقال له : ما رأيك ؟

رد الرجل في تردد : نحن أمامك يا سيدي وما تحكم به سوف يرضينا.

 نظر القاضي إلى السمكة وقال لها : وما رأيك أنت ؟

قالت السمكة :يا سيدي أنا في حيرة شديدة فكما ترى كل واحد فيهما له ظروفه القاسية وأنا لا أستطيع أن أكون لأحد منهما على حساب الآخر فأرجو أن تأمر بعودتي مرة أخرى إلى النهر حتى أرى زوجي وأولادي .

ضحك القاضي ضحكة عالية وقال : يا لك من سمكة شقية لقد حكمنا بأن تنصف السمكة نصفين .. نصف للرجل والنصف الآخر للفتى .

أُعجب الرجل بكلام الفتى مصطفى وتنازل له أمام القاضي عن نصف السمكة .

 وبعدها خرجا من دار الحكم متصافيين وتعاهدا على الود والصداقة والتعاون بينهما.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  • بغداد في الليل

  • خارطة العراق

  • مركز مدينة بعداد

بغداد عاصمة جمهورية العراق، بلغ عدد سكانها حوالي 7.6 مليون نسمة في عام 2013، ما يجعلها أكبر مدينة في العراق وثاني أكبر مدينة في الوطن العربي بعد القاهرة. وتأتي بالمرتبة 35 عالمياً من حيث عدد السكان.

أظهرت التنقيبات الأثرية أن بغداد كانت في الفترات القديمة موطناً بشرياً مهماً يعود إلى العصر الأشوري قبل اختيارها لتكون عاصمة للخلافة العباسية. ومما جعل لهذا الموقع أهميته الجغرافية والاستراتيجية  . توسطه مدناً حضارية إنسانية كبرى تمتد من شمال العراق إلى جنوبه. إن هذا الموقع الجغرافي التاريخي جعل لبغداد موقعاً متوسطًاً بين تلك المدن الأمر الذي شكل بيئة ملائمة لتطور الإنسان وإنجازاته الحضارية والفكرية. وفي العصور التي سبقت الفتح الإسلامي وما بعده، كانت المنطقة التي عرفت في بغداد في العهد العباسي تحيط بها مدن لها أهميتها الاستراتيجية والجغرافية. وتقع مدينة بغداد شمال موقع مدينة بابل الأثرية، إضافةً إلى أنها تقع على بعد بضعة كيلومترات شمال غرب مدينة (المدائن) التي بناها الإغريق قبل الميلاد وورثها الفرس، والتي استمرت كمركزٍ رئيسي للبلاد حتى حلّت محلها بغداد في القرن الثامن.

بُنيت بغداد في العصر العباسي بين عاميّ 762 و764 م. واُطلق عليها في القديم اسم الزوراء، ومدينة السلام، وكانت ذات يوم عاصمة الدنيا، ومركز الخلافة الإسلامية العباسية. بناها الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، وسماها مدينة المنصور، وجعل لها أربعةُ أبواب هي: باب خُراسان، (وكان يسمى باب الدولة)، وبابُ الشام، ثم بابُ الكوفةِ، ثم باب البصرة. وكان المنصور قد اختار لها هذه البقعة من الأرض على ضفتي نهر دجلة. تزخرُ بغدادُ بالكثيرِ من المعالمِ التاريخية والحضارية، أهمها المدرسة المستنصرية، والمساجد الإسلامية القديمة، والقصور الأثرية، وبها عدد من المقامات الدينية، أهمها مقاما الإمامين موسى الكاظم ومحمد الجواد بالكاظمية، ومقام أبي حنيفة النعمان، ومقام الشيخ عبد القادر الجيلاني. ومن أشهر مساجد بغداد مسجد الإمامين الكاظم والجواد، ومسجد الشيخ معروف الكرخي، وجامع الخلفاء العباسيين المعروف قديمًا بجامع القصر أو جامع الخليفة .

مدينة بابل الأثرية تقع على بعد 85 كـم (53 ميل) جنوب بغداد.

يوجد بالمدينة متاحف تُعرض فيه الآثار المختلفة من جواهر وعملات وهياكل بشرية وتماثيل من عصور ما قبل التاريخ حتى القرن السابع عشر الميلادي.

الذئبُ والحَمَل

كان هناك حملٌ مُطيعٌ ، ولذلكَ أحبتهُ أمهُ كثيراً ،لدرجةٍ انها كانت تشعرُ دائما بالقلقِ عليه ، فهو كان حملها المفضّل ، لذلك كانت دوماً تُفكرُ بشأن سلامته ، وكانت دائماً الأمُ تُحذر الحملَ الصغير وتقول له : كُنْ حذراً يا بُنَي فيجب أن لا تذهب الى الغابةِ ، فالحيواناتُ البريةُ تعيشُ هناكَ ، ويمكن أن تهددَ حياتكَ ويمكنّهم أن يأكلوكَ بمنتهى السهولة .

ولكن لم يستمع الحملُ الى حديثِ والدته ، فكان يراها دوماً مبالغة في ردود فعلها ، ولكنه سرعان ما يكتشف انها دائما ما كانت على حقٍ ، فلم يستمع الحمل لأي احدٍ سوى نفسه ، وذهب الى الغابة ولعبَ هناك لفترةٍ طويلةٍ حتى حلَّ الظلامُ عليه  ، وفي صباحِ اليومِ التالي شعرَ الحملُ الصغير بالعطش الشديد فوقفَ على ينبوعٍ لكي يروي عطشه منه ، وكان يراقبه من وراء الشجرة الذئبُ الذي وجد الحملَ فرصة كبيرة بالنسبة له ، فكان الذئبُ يتضورُ جوعاً  فقال : حملٌ صغيرٌ .. انه يومُ سعدي بدون شك " ، واخذ يفكرُ ، وبالفعل بدأ الذئبُ في الاقترابِ من الحملِ الصغير ، ومن سوء حظ الحمل الصغير انه لم يكن هناك أحد إلى جانبه لإنقاذه من الذئب ، وسأل الذئبُ الحملَ الصغير " ما جاءَ بك الى هنا ايها الحمل الصغير ، انت لا تعلم ان هذه الغابة للحيوانات البرية امثالي فقط ؟ ولماذا جئت لشربِ الماءَ من هذا الينبوع ؟ وقتها فكَّر الحملُ في كلامِ والدته ، وكان يعرفُ أن الذئابَ من الحيوانات الخطرة ، وتذكر على الفور تحذيرَ والدتهُ ، وتأكد وقتها أن هذا الذئب يريدُ أكله لأنه شرسٌ وقويٌ  وشريرٌ، وأخذَ يفكّرُ في طريقةٍ للهروبِ من الذئب .

وبينما هو يفكرُ في طريقةٍ للهروبِ ، كان الذئبُ لا يزال يتحدثُ معهُ لكي يجد اي حجةٍ يستطيعُ أن يأكله بها  فقال له : ماذا تفعل  ؟ انت تجعلُ ماءَ الينبوعِ غير نظيفٍ ، كيف لي أن اشرب انا الان ؟  ولكن ردَّ عليه الحملُ بصوتٍ وديعٍ قائلا : كيف لي أن ألوثَ الماءَ حيث انا اقف اسفل المستوى الذي تقف انت عليه سيدي ؟

فوجئ الذئبُ من هذه الاجابة الذكية ، ولكن الذئب كان يبحث عن اي ثغرة يدخلُ بها للحملِ لكي يقوم بأكله ، وقتها صاحَ الذئبُ على الحمل قائلا : كيف تجرؤ على قولِ ذلك لي ..؟ من الواضح انك نفس الكائن الذي جاءَ وشربَ من الينبوع العام الماضي "  وهنا ردَّ عليه الحملُ الصغيرُ قائلاً : لم أكنْ أنا يا سيدي ذلك الحمل فلم أكن ولدتُ العامَ الماضي ، فانا لدي بضعة شهورٍ فقط  .

وهنا تأكدَ الحملُ أن الذئبَ كان يريد أكله ، وأخذَ يتحدثُ اليه بحذرٍ شديدٍ ، الى أن سمعَ الحملُ صوتاً يأتي من بعيدٍ ، ووجدَ مجموعةً من الحطابين قادمون ، ففكّرَ اذا انه استطاع أن يستمرَ في الحوارِ مع الذئب لمدة أطول فسوف يأتي الحطابين لإنقاذه ، فقد كان حملاً ذكياً ، وأخذ يقولُ للذئب "سيدي الذئب، انت على حق ، لقد لوثت الماء ، ولكني، لم أكن أقصد ذلك " وظل يتحدث معه لبضع دقائق أكثر حتى وصلَ الحطابين ، ورأوا كُلاًّ من الحملِ والذئب ، وقتها أمسكوا بالذئبِ وضربوهُ قبل أن يفرَّ هارباً، واصبحَ الحملُ الصغير في امانٍ ، وركضَ  مسرعاً الى والدته ، وحكى لها ما حدثَ في الغابةِ بينه وبين الذئب وما فعله الحطابين من أجله ، ووعدَ والدته أنه لن يتجوّلَ مرة اخرى لوحده في الغابةِ .

النَحلةُ الكَسولةُ

 

قَرَرت إحدى النَحلات عَدَمَ العَملِ ، فَقد تَعِبَتْ من كَثرةِ العملِ ، وتشكو دائماً

 من كَثرةِ المَجهودِ الذي تبذُلهُ كُلَّ يومٍ في رحلتها ذهاباً إياباً لجَمعِ الرَحيق ، كما أنها دائماً كانت تقولُ لزَميلاتِها إننا نتعبُ مِن أجلِ الآخرين ، ولا نستفيدُ شيئاً كانت زميلاتُها ينظُرن إليها باستغرابٍ واندهاش شديدين ، ولا يَرُدّنَّ عليها بشيءٍ ويواصلن عَمَلهنَّ بجدٍّ واجتهاد.

ابتكرت النحلةُ حيلَةً جَديدةً للهروبِ مِنَ العملِ ؛ فكانت تخرجُ كُلّ يومٍ مع السربِ وتتظاهر بأنها تجمع الرحيقَ منَ الأزهارِ وتمتصهُ بجدية وحماس ، ولكنها كانت تذهب إلى صديقتها الفراشة تجلسُ معها على أطرافِ إحدى وريقاتِ الورد الذي يملأُ الحديقة و يتبادلا الأحاديثَ والنقاش حتى إذا ظهرَ السربُ عائداً إلى الخليةِ تُسرعُ لتنضمَ إليهِ ، وتدخلُ مع زميلاتها إلى الخليةِ وتتظاهر بأنها تضعُ الرحيقَ الذي جمعتهُ في المكانِ المُخصصِ لها في الخليةِ .كانت صديقتها الفراشة تنصحُها كثيراً بضرورةِ العملِ والجدِّ والاجتهادِ وإنه لا فائدة من حياتها بدون عمل فكانت النحلةُ الكسولةُ تُعَنفها بشدةٍ وتقولُ لها :- وأنتِ أيتُها الفراشةُ ماذا تعملين؟

إنكِ تَتَجولينَ في الحُقولِ والحَدائقِ وليس لديكِ عمل .

كانت الفراشةُ تقولُ لها :- كلّ شيء مخلوقٌ في الكونِ لهُ عملٌ معينٌ،

وإن اللهَ سُبحانهُ وتعالى وزَّعَ هذه الأعمالَ حسبَ مقدرة كلّ مخلوقٍ .

قالت لها النحلةُ:- كيف؟ 

قالتِ الفراشةُ :- انظري إلى هذا الحمار الذي يسيُر هناكَ أنه يتكبدُ

منَ المشقةِ والتعبِ أكثرَ من أيّ مخلوقٍ آخر.

ولكن طبيعته التي خلقهُ اللهُ بها ، تساعدهُ على التحمّلِ والصبرِ ،كما أن الخالقَ عزّ وجلّ منحهُ قابلية العطاء بسخاءٍ للآخرين دون انتظار المقابل ، كذلك انظري إلى هذا الطائر الجميل الذي يقفُ على  فرعِ الشجرةِ التي بجواركِ إن الخالقَ أعطاهُ منقاراً طويلاً حتى يستطيعَ أن يلتقط الديدانَ من الأرض لينظفها وهو بذلك يُقدمُ خدمةً عظيمةً للفلاحِ ولنا نحن أيضاً .

قالتِ النحلةُ بتعجبٍ :- وما هذه الخدمة العظيمة التي يُقدمها لنا هذا الطائر  ؟

قالتِ الفراشةُ :- لولا نظافة الأرضِ التي يقومُ بها هذا الطائر لماتَ الزرع

ولن نجدَ حتى هذه الوردة التي نقف عليها الآن.

كذلك انظري إلى هذه البقرة الواقفة أسفل تلكَ الشجراتِ المزروعة على حافةِ

النهرِ، وكيف أن الإنسانَ يهتمُ بها ويقدم لها الغذاء المناسب وينظفها ويعمل على راحتِها ،كلّ هذا من أجل العطاءِ الكثير الذي تُعطيه له، فهي تعطيه اللبنَ الذي يصنعُ منه الزبدَ والجُبنَ ، والبقرةُ تفيدُ الإنسانَ كثيراً حيث أنها من الممكنِ أن تلِدَ لهُ صغاراً يستفيد منها كثيراً وفوقَ كلّ هذا فهي تمدهُ باللحمِ الطازجِ الذي يأكلهُ الإنسان .

و تواصِلُ الفراشةُ حديثها :-  ولماذا تذهبينَ بعيداً.... انظري إلى زميلاتكِ

هاهنّ عائداتٌ من رحلتهنّ اليومية، كلّ واحدة منهن لم تشك يوماً، ولم تتمرد على حياتِها ، أو على الخُطةِ التي وضعها الخالقُ لها ولحياتها .كانت النحلةُ تصُمُّ أذنيها عن الاستماعِ إلى نصائحِ صديقتها الفراشة وكانت تتهمُها دائماً بأنها تقولُ لها هذا الكلام حتى لا تجلسَ معها ولا تنعمَ بالراحةِ التي تعشقُها.

تَركتِ النحلةُ الفراشةَ مُسرعةً حتى تلحقَ بالسربِ وهو عائدٌ إلى الخليةِ .

ذاتَ صباحٍ وبينما السربُ في الخارجِ كانت ملكةُ الخلية تتابعُ العملَ

داخلَ الخليةِ وتتفقدُ الخلايا المخصصة لوضعِ العسل ، فاكتشفت أن الخانةَ المخصصة للنحلةِ الكسولةِ خاليةً تماماً ولا يوجدُ فيها أي نقطة عسلٍ.

عندما عادَ السرب استدعتِ الملكةُ النحلةَ إلى خانتها الكبيرة داخلَ الخلية وعَنَفَتّها بشدةِ وزجرتها وقالت لها :- كيف تخرجين مع السرب

وتعودين كلّ يومٍ ولا يوجد في خانتكِ ولا نقطة عسل واحدة؟

قالتِ النحلةُ وهي منكّسةُ الرأسِ :- إنني لا أجدُ وروداً في الحدائقِ

وبالتالي لا أجدُ رحيقاً امتصهُ وأحوّلهُ إلى عسلٍ، لذلك لا يوجد في خانتي أي عسل .

فكّرتِ الملكةُ قليلاً وهَمَست بينها وبين نفسها :- كيف هذا الكلام وخانات كل

زميلاتها في السربِ مليئةٌ بالعسلِ ؟ لاشك أن هذه النحلة تكذب، ولكي تتأكد الملكة بأن النحلةَ تكذبُ، فقد كلفت إحدى النحلات-المكلفات بحراسةِ الخلية بمراقبة النحلةَ الكسولة  وموافاتها بأخبارها أولاً بأول .

في الصباحِ وكالعادةِ خرج السربُ لجمعَ الرحيقَ تتبعته نحلةُ المراقبةِ من بعيد لكي تراقبَ النحلة الكسولة.

وعرفت ماذا تفعل كل يوم !! فأخبرت الملكة بذلك .انفجرت الملكة غيظاً وواجهت النحلة بكل ما تفعله فقالت لها :- أين كنتِ اليومَ ؟

 

ردت النحلة بثقة :- كنت مع السربِ أجمعُ الرحيقَ. 

قالت الملكة :- أين الرحيق الذي جمعتيه

قالت النحلة بلا مبالاة :- الرحيق ! أي رحيق ؟إن اليوم مثل كل يوم لم أجد وروداً و قاطعتها الملكةُ بحدةٍ وقالت لها:- -إنكِ تكذبين .

شَعَرت النحلةُ أن سِرَها انكشف وحاولت تَبرير موقفها لكن الملكة واجهتها بكلِ ما لديها من معلوماتٍ حيث أنها تذهب كلّ يومِ إلى صديقتها الفراشة وتجلسُ معها طولَ رحلة جمع الرحيق ثم تعود مع السِربِ ظناً منها أن أحداً لن يكتشفَ الأمر ،انكسرت عيناها ونظرت إلى الأرض ، ذَرَفَت دمعةً من عينيها ، لكن كُلّ ذلك لم يثنِ الملكة عن الحُكمِ الذي أصدَرَته ضِدَها حيثُ حَكَمَتْ عليها بالحبسِ في الخليةِ وعدمِ مُغادرتها مُطلقاً ،نَفَذت النحلةُ الكسولةُ حُكمَ الملكة دونَ مُعارضة حيث لا مَجالَ للمعارضة لأيِ كَلمةٍ تَقولها الملكة.

مَرَّ يَومٌ ومَرَّ آخر ومرت أيامٌ حتى شَعَرَت النَحلةُ بالمللِ من كَثرةِ الجلوسِ كما أنها ضاقت بالحبسِ وبالخليةِ كلها فلم تجد شيئاً تتسلى به سوى متابعةِ زميلاتها في رحلةِ الذهابِ والعودةِ كُلّ يومٍ ، كما أنها فوجئت أن الكل داخل الخلية يعملُ حتى الملكةَ نفسها تعملُ بجدٍ واجتهادٍ وتوزع المهام ، كذلك طاقمُ النظافةِ يقومُ بعملهِ بهمةٍ ونشاطٍ ،وأيضاً طاقمُ الحِراسةِ يعملن بشكلٍ مستمر. الجميعُ داخلَ الخلية يعملُ ويعملُ ولا أحدٌ يشكو ولا أحدٌ يجلسُ بدون عمل . شَعَرت النحلةُ الكسولة بالحرجِ من موقفها ، ونَدَمت على ما فعلتْ ولكن بعدَ فواتِ الأوان فقد طالَ عليها الحبس واشتاقت للتحليقِ والطيرانِ والانطلاقِ ، لكنها لا تستطيع أن تفعل هذا الآن . ظلت النحلةُ في الحبسِ حتى ضعُفَت وهَزَلَ جسدها ومرضت مرضاً شديداً كادَ أن يهلكها لولا أن الملكةَ أصدرت

حُكماً بالعفوِ عنها بعد أن تعاهَدَت النحلةُ أنها لن تعودَ مرةً أخرى إلى مثلِ هذا العمل ؛فعادت النحلةُ إلى الطيرانِ والتحليقِ وجمعِ الرحيقِ ، وأخذَت تعملُ وتعملُ بجدٍ واجتهادٍ كلّ يومٍ حتى دَبّت الحياةُ مرةً أخرى في جسدها الصغير وشَعَرَت بقيمتها وأهميتها في الحياة.

السنافر

 

نسمعُ عن كلمةِ السنافر كثيراً منذ طفولتنا حتّى أيّامنا هذه، ولكن من أيّ لغةٍ جاءَت هذه الكلمة؟ ومَن ابتكرها؟ وماذا تعني؟. السّنافرُ جمع سنفور: وهم عبارة عن شخصيّاتٍ ليس لها وجودٌ حقيقيّ، وهذه الكلمةُ إذا قِيلَتْ لشخصٍ ما فإنّها تعني قَصير القامةِ وصغير ولا يعرف شيئاً.

السنافرُ مُسلسَلُ رسومٍ متحرّكة أمريكي، أنتجَ في عام 1981 من قبل شركة هانا - باربيرا، وهذا المسلسلُ يتكوّن من حوالي 256 حلقة، وفيه أيضاً حوالي 421 قصّة عُرضت في بعض القنوات التلفزيونيّة، وتمّت دبلجة المسلسل إلى عدّة لغات منها: اللغة العربية.

مبتكر السنافر

ابتكرَ شخصيّة السنافر الرسّام البلجيكي بيير كوليفورد حينَ كان يبحثُ عن عمل؛ حيث إنّه في كلّ مقابلةٍ يذهبُ فيها للعملِ لا يُفلح، وفي إحدى المرّات تقدّمَ لوظيفةٍ مُساعد طبيب أسنان، وقد حضّرَ نفسهُ ونامَ بعدَ عَشاءٍ خفيف، وبعد أن أفاقَ من نومهِ تجهّزَ ولبسَ ملابسَهُ المرتّبة، وتناولَ فطورَهُ، وهَمَّ بالخروجِ ، فتذكّرَ محفظتَهُ، فبحثَ عنها طويلاً ولكن بلا جدوى. خافَ أن تضيعَ عليه فرصة العملِ فذهبَ مُتأخّراً إلى المقابلةِ وملابسَهُ متّسخة ومغبّرة، ويشعرُ بحالة تعب وتوتّر، وعندما وصلَ كان قد بقيَ للمقابلةِ ربع ساعة فقط، ولمّا حَضَرَ لم ينجح فيها لأنّ المحافظةَ على الوقتِ تُعَدّ من أهمّ مُتطلّبات العمل، فَرَجعَ إلى منزلهِ حَزيناً.

أصيب كوليفورد بخيبةِ أمل في الحصولِ على أيّ وظيفةٍ تُناسبهُ، ولكن عُرِضَ عليه الرّسم في استوديو، فَقَبِلَ هذا العمل مع أنّ راتبَهُ قليلٌ جدّاً، وساعاتُ الدوامِ كثيرة فيه؛ نظراً لكثرةِ الديون المُتراكِمة عليه، فبدأ الرّسم، وتعرّفَ على رسّامين مشهورين، واستطاعَ أن ينجحَ في هذه المهنة، وقامَ برسمِ شخصيّاتٍ كرتونيّة للأطفالِ سمّاها السنافر؛ حيث إنّ هذه الشخصيّات أعجبت الكثيرين، وانتشرت في العالمِ بسرعةٍ عام 1958، وتحوّلت من رسومٍ وهميّةٍ على الورقٍ إلى شخصيّاتٍ على المسارح والشاشات؛ كألعاب فيديو يُشاهدها الأطفالُ في كلّ أنحاء المعمورة، وأصبحت تُعرَض على التلفازٍ كمسلسلاتٍ للأطفال.

كانت هذه فرصة له استطاعَ من خلالها أن يُغيّرَ مَسيرةَ حياته، فلو تمّ قبوله في وظيفة مُساعد طبيب أسنان لما كنّا عرفنا السّنافر وقصصهم الرّائعة الّتي يتحاكى بها الكثيرون حتّى وقتنا الحالي. وتوفّي الرسام المبدع كوليفورد عام 1992، وعبّرت الصحف البلجيكيّة عن حزنها الشديد بسبب وفاته.

شهرة السنافر

يُعَدّ أوّل ظهورٍ للسنافر في عام 1958م، وكان ذلك ضمن قصّة "جوهان (جون) وبيويت" (Johan & Peewit)؛ حيث إنّ أوّل ظهور لهذه الشخصيات أثّرَ كثيراً على حياة مبتكرها كوليفورد، الّذي أصبحَ غنيّاً بسببها، ومعروفاً بين أواسطِ الناس بسبب انتشارها.

وعندما كتبَ مايكل ليجراند قصة الفيلم "السنافر والمزمار السحري" ساهمَ ذلك في توسعِ مفهوم السنافر على مستوى العالم، ثمّ جاءَ المُغنّي الهولندي - فادر أبراهام -وساهمَ في نشرِ قصص السنافر في هولندا، وما تزالُ هذه الشخصيّات مشهورةً بين الناسِ ومحبوبةً حتّى وقتنا الحالي.

قصّة السنافر الكرتونيّة

تُعدّ السنافرُ شخصيّات قصيرة القامة من الأقزام، تلبسُ اللونَ الأزرق والقبّعات البيضاء، تعيشُ في قلعةٍ في الغابةِ، وكانت بيوتهم على أشكال الفطر، وهم أكثر من سنفور يتّصفون بصفاتٍ مُختلفة؛ حيث كان منهم: سنفور الحاكم، وبابا سنفور الّذي كان يرشدهم للطّريق الصحيح دائماً، وسنفور المُفكّر، وسنفور الأكول، وسنفور الرسّام، وسنفور المازح، وسنفور الشّاعر، وسنفور الموسيقي والعازف، ومنهم العبقريّ، والمغرور والّذي كان يبتعد عنهم لشدّة غروره، وهناك أيضاً سنفورة الجميلة، وسنفور المغامر، وسنفور الطّفل .

 

 

وإضافةً إلى هذه الشخصيّات كانت هناك شخصيّة مختلفة تكنّ للسنافر العداوة، وتدعى هذه الشخصيّة شرشبيل المشعوذ الكبير، ويرافقه قطٌّ أحمر مشاكس يُدعى هرهور، ودائماً يسعى شرشبيل للقضاءِ على السنافرِ إمّا ليأكلهم، أو حتّى ليحوّلهم إلى ذهب يستفيد منه، وكان في كلّ مرّةٍ يفشل في هزيمتهم، ويقع في العديدِ من المشاكلِ المتنوّعة حسب موضوع القصة.

ممّا سبق نستنتج أنّ هذا المؤلّف العظيم لقصّة السنافر كان هدفه أن يعكسَ قيماً مميّزة للأطفالِ تعلّمهم الكثير في حياتهم، وهي تناسبُ جميعَ أعمار الأطفال وحتّى الكبار الّذين أشادوا بها وأحبّوها؛ فهذه القصّة تحاكي الثقافات جميعها.

الوزيرُ المتفائل

يروى أن ملكاً كان له وزيرٌ جيد الرأي ذكيٌ.

وكان الملكُ يحبُ الصيدَ حُباً شديداً وكان عندما يخرجُ للصيدِ يأخذ وزيرهُ الذي يثقُ به معه. و في يومٍ من الايامِ خرجَ الملكُ كالعادةِ للصيدِ واخذَ معه الوزيرَ، ولكن اثناء الصيد حدثَ ان أفَلتَ الملكُ السهمَ وجرحَ اصبعهُ، فقالَ لهُ الوزيرُ لعلهُ خيراً .

ذهبَ الملكُ والوزيرُ مسرعَينِ الى القصرِ وحضرَ طبيبُ الملك و رأى الاصبعَ المجروح ،ثم قالَ لقد تسممَ الاصبعُ واصبحَ خطراً عليكَ ، فقالَ الوزيرُ لعلهُ خيراً ، فقال الملك للطبيب وهو متضايق من رد الوزير وما العمل ايها الطبيب ؟ قال الطبيب يجب قطعه والا تسمم الجسم كله ، فقال الوزير لعله خير قال الملك للوزير اتتمنى ان يقطع اصبعي؟  وتقول لعله خير. حسنا، ايها الحراس اقبضوا على الوزير وادخلوه السجن.

فقال الوزير لعله خير ، مرت فترة على الوزير وهو في السجن بينما ذهب الملك مرة اخرى للصيد وحيدا ولسوء حظه هاجمته قبيلة من القبائل واخذوه الى قائدهم وكانوا يريدون تقديمه قربانا للآلهة ، وعندما راه القائد قال أنقدمُ للآلهة قربان ناقص اصبع ؟هذا لا يليق بمكانة الآلهة أعيدوه من حيث اتى ، ذهب الملك مسرعا الى القصر امتزج معه الخوف و الفرح لقد نجا بحياته بأعجوبة بفضل اصبعه المقطوع .

احضر الملك الوزير من السجن واخبره بما حدث وقال له لقد كنت على صواب ايها الوزير المتفائل ولكن لماذا قلت لعله خيراً عندما ادخلتك السجن قال الوزير " انا اذهب معك دائما للصيد فان لم اكن في السجن لكنت انا القربان ايها الملك ".

ذَكاءُ فَلاحٍ

كان يا مكان  في قديمِ الزمان ، فلاَّحٌ مَيسورٌ يعيشُ في حقلهِ مع زوجته وأولاده الخمسة. وذاتَ موسمٍ انحبسَ المطرُ، فحَزَنَ الفلاَّحُ ،وكان قد بَذَرَ الحبَ، فتوجَّه إلى حقلهِ العطشان، ناظراً إلى الغَيمِ، منشداً‏                                                               تعال يا مطر تعالْ‏

كي تكبرَ البذورْ‏

ونقطفَ الغلالْ‏

تعال لتضحكَ الحقولْ‏ 

 وننشدَ الموّالْ‏

مضت الغيومُ.. غير مبالية  بنداءِ الفلاّح، فزادَ حُزنِهِ، واعتَكَفَ في بيتهِ مهموماً حَزيناً،

 اقتربت منه زوجته مواسيةً‏ ، صلِّ على النَّبي يا رجل هَوّن عليكَ، مالكَ تصنعُ من الحبّة قبّة!

قالَ : دعيني يا أمّ العيال الله يرضى عليكِ ولا تزيدي همّي

 -طيّب إلى متى ستبقى جالساً هكذا ؟ قُمْ أُخرج و اسعَ في مناكبها

 -أسعى!! ألا ترينَ أنّ الأرضَ قد تشقّقت لكثرةِ العطش والحَبَّ الذي بذرته أكلتهُ العصافير ؟

 دعيني بالله عليكِ فأنا لم أعُد أحتمل

-        لكنّك إذا بقيتَ جالساً فسنموت جوعاً،  لم يبقَ لدينا حفنة طحين ، قُم واقصد الكريم، فبلادُ اللهِ واسعة.

 اقتنع الرّجل بكلام زوجته ، فحَمَلَ زادهُ وودّعَ أهلَهُ ثمّ مضى.

كانت هذه الرّحلة هي الأولى لـه لذا كابدَ مَشقاتٍ وأهوالاً فأحياناً يظهرُ لـهُ وحشٌ،

 فيهجمُ عليه بعصاهُ الغليظة ويطرحَهُ أرضاً ، وأحياناً يعترضه جبلٌ عالٍ فيصعده وهكذا.

إلى أن وصلَ إلى قصرٍ فخمٍ تحيطُ به الأشجار وتكثرُ على جدرانه الورود.

 وما إن اقتربَ الفلاَّحُ من بابِ القصرِ، حتّى صاحَ به الحارس.

- أنت، إلى أين‏ ؟

- أريدُ أن أجتمعَ بصاحبِ القصر.

- ماذا! تريدُ أن تجتمعَ بالسلطان؟

سمعَ السلطانُ الجالسُ على الشرفةِ حوارهما، فأشارَ للحارسِ أن يُدخلَ الرجلَ وفورَ مثوله أمامَهُ قال:‏

السَّلامُ على جنابِ السّلطان

-        وعليك السلام ماذا تريد‏  ؟

-        أريدُ أن أعملَ‏

-        وما هي مهنتك؟

 فلاَّحٌ أفهمُ بالزراعةِ، ثمّ سَرَدَ لهُ قصّته.

- طيّب، اسمع ما سأقول لكَ، أمّا العمل بالزراعة فهذا مالا أحتاجه أبداً، لديَّ مزارعون.

لكن إذا رغبت في تكسيرِ الصخورِ فلا مانعَ، الأرضُ مليئةٌ بالصّخورِ وأنا أفكرُ باقتلاعها والاستفادة من مكانها. ما رأيك ؟

-        موافق‏

-        إذاً اتفقنا على الأمر الأوّل بقي الأمر الثاني

-        ما هو؟

-        الأجرُ أنا أدفع للعاملِ ديناراً ذهبياً كل أسبوع فهل يوافيك هذا المبلغ؟

حكّ الفلاّحُ رأسهُ مفكراً قالَ:

 لديّ اقتراحٌ ، ما رأيكَ أن تزن لي هذا المنديل في نهايةِ الأسبوعِ وتُعطيني وزنهُ ذهباً؟

وأخرجَ الفلاّحُ من جيبه منديلاً صغيراً مطرزاً بخيوطٍ خضراء.‏

و فورَ مُشاهدة السلطان المنديلَ صارَ يضحكُ حتّى كادَ ينقلب من فوق كرسيّه ،ثمّ قال

منديل ...! يا لكَ من رجلٍ أبله، وكم سيبلغ وزن هذه الخرقة؟ أكيد أنّ وزنها لن يتجاوز وزن قرش من الفضّة ها ها ها  أحمق مؤكد أنك أحمق.

بلعَ الفلاّحُ ريقه وقال:

 يا سيّدي ما دام الرّبحُ سيكون في صالحكَ فلا تمانع، أنا موافق حتّى لو كان وزنه وزنَ نصف قرش.‏

لمسَ السّلطانُ جدّية كلامَ الفلاّح فاستوى في جلسته وقال:

توكَّلنا على الله، هاك المطرقة وتلك الصّخور شمّر عن زنديك وابدأ العمل وبعد أسبوع لكل حادث حديث‏ .

أمسكَ الفلاّحُ المطرقةَ بزندين فولاذيين مشى باتجاه الصّخور بكل ثقة ،نظر إليها نظرة المتحدِّي .

ثمّ وببسالة الباشق هوى عليها بمطرقته فتفتّتت تحت تأثير ضرباته العنيفة، متحوّلة إلى حجارة صغيرة وكلّما ترشحَ من جبينه عرقَ الجُهدِ والتعبِ أخرجَ منديلهُ الصّغير ومسحه.‏  

عَمِلَ الفلاّحُ بجدّ واتفانٍ، حتّى إنّه في تمام الأسبوع أتى على آخر صخرة، صحيح أنّ العرق تصبّب من جبينه كحبّات المطر، لكن ذلك لم يمنعه من المثابرة والعمل.‏

انقضى أسبوع العمل، وحان موعد الحساب.‏

-عافاك الله أيُّها الفلاّحُ لقد عملتَ بإخلاصٍ، هاتِ منديلك كي أزنهُ لكَ

 ناولـه الفلاّحُ منديلَهُ الرّطب وضعه في كفّةٍ ووَضع قرشاً فضيَّاً في الكفّة الأخرى،

 فرجحت كفّة المنديل. أمسكَ السلطانُ عِدّة قروشٍ وأضافها، فبقيت كفّةُ المنديلِ راجحةً‏

 امتعضَ السلطانُ ،  أزاحَ القروش الفضيّة ووضع ديناراً ذهبياً فبقيت النتيجة كما هي

احتارَ السلطانُ ،  فطلبَ من الحاجب منديلاً غمسه في الماء ووضعه مكان منديل الفلاّح فرجحت‏ كفّة الدّينار‏، نظر إلى الفلاّحِ غاضباً قال‏:

ما سرّ منديلك أهو مسحور؟ ظننتُ أن الميزانَ خَرب لكن وزنه لمنديل الماء صحيح.

 ابتسم الفلاّح ابتسامة عريضةً ، وشرع السلطان يزنُ المنديلَ من جديدٍ فوضع دينارين ذهبيين ، وثلاثة وأربعة حتى وصل إلى العشرة حينها توازنت الكفّتان.

كادَ السلطانُ أن يجن، ماذا يحدث أيعقل هذا، عشرة دنانير!

 نهض السلطانُ و أمسكَ بياقة الفلاّح وقال‏:

 تكلّم أيُّها المعتوه اعترف من سحر لك هذا المنديل؟

وبهدوء شديد أجابه الفلاّح‏ 

 -أصلح الله مولاي السلطان القصّة ليست قصّة سحر فأنا لا أؤمن به

القصّة باختصار هي أنّ الرّجل عندما يعمل عملاً شريفاً يهدف من ورائه إلى اللقمة الطّاهرة

يترشحُّ جبينه عرقاً ،هذا العرق يكون ثقيلاً أثقل من الماء بكثير

 هزَّ السلطان رأسه وابتسم راضياً وقال‏ :

سلّم الله فمك وبارك لك بمالك وجهدك وعرقك تفضل خذ دنانيرك العشرة واقصد أهلك غانماً.

قصدَ الفلاّحُ أهلَهُ مسروراً وأخبرهم بما جرى ففرحوا وهللوا وتبدلت معيشتهم نحو الافضل .

الطالبُ المجتهدُ

حسنٌ طالبٌ محبوبٌ  في مدرستهِ لدى الجميع، أساتذةً وزملاءً، ونالَ قسطاً كبيراً من الثّناءِ والمدحِ من أساتذتهِ، باعتباره طفلاً ذكيّاً، وعندما سُئلَ حسن عن سرّ تفوّقه أجاب: أعيشُ في منزلٍ يسودهُ الهدوء والاطمئنان، بعيداً عن المشاكل، فكلّ شخصٍ يَحترمُ الآخر داخل منزلنا، ودائماً ما يسأل والديّ عنّي، ويناقشاني في عدّةِ مواضيع، من أهمّها الدّراسة والواجبات التي عليّ الالتزام بها، فهما لا يبخلان عليّ بالوقتِ، لنتحاورَ ونتبادلَ الآراء، وتعوّدنا في منزلنا أن ننامَ ونصحو في وقتٍ مبكّر، كي نُنجزَ ما علينا إنجازَهُ على أكملِ وجه.

أقومُ في كلّ صباح نشيطاً، كما عوّدني والدايَّ على تنظيف أسناني باستمرار، حتّى لا ينزعج الآخرون منّي حين أقترب منهم، ومن أهمّ الأسس الّتي لا يمكننا الاستغناء عنها الوضوء للصّلاة، وبعد الصّلاة نتناولُ أنا وإخوتي طعامَ الافطارِ، ليساعدنا على إنجاز فروضنا الدراسيّةِ بسهولةٍ ويُسر، ثمّ أذهبُ إلى مدرستي التي أُحبُها كثيراً ، حيث أقابل زملائي وأساتذتي.

أحضرُ إلى مدرستي وأنا رافعٌ رأسي، وواضعٌ أمامي أماني المستقبل، ومنصتٌ لكلّ حرفٍ ينطقهُ أساتذتي حتّى أتعلّمَ منهم، ولأكونَ راضياً عن نفسي. وعندما أعودُ للمنزلِ يحينُ الوقتُ للمذاكرة بعدَ أن أغيرَ ملابس المدرسة ، فأجلسُ خلفَ مكتبي المُعَدّ للدّراسة، وأنجزُ جميعَ فروضي وواجباتي، وأكتبها بخطٍّ جميل؛ فبحمد الله جميع أساتذتي يشهدونَ على حُسنِ خطّي، وآخذ قسطاً من الرّاحة كي ألعبَ وأمرحَ، ولكن دونَ المبالغة في ذلك، وفي المساءِ أذهبُ كي أنامَ لأستعيدَ نشاطي للبدءِ بيومٍ جديد.

 

 

 

 

قصةُ الساعة

 فتحتِ السّاعةُ عَينيها، صباحَ يوم السبت، وبعد تثاؤبها، دقّت ثماني دقّات.‏

استيقظَ سميرٌ، نظرَ إلى ألعابهِ في زاويةِ الغرفةِ، فوجدها كئيبةً، على غير عادتِها. فَرَكَ عَينيه، جلسَ مُسنِداً ظهرهُ إلى الوسادةِ، ونادى:‏

-صيّاح.. لماذا لم توقظني هذا الصّباح بصوتِكَ العَذب، هل أنتَ مريض؟‏

مدَّ الدّيكُ رأسهُ من بابِ القِن، قال:‏

-صراحة.. مللتُ الصّياحَ، كلّ صباحٍ كو كو ريكو، كو كو ريكو، لقد بُحَّ صوتي والتهبت حنجرتي، أنا أحلمُ بالنّومِ طوال النّهار، مثلَ صديقي الأرنب.‏

-ماذا؟! صيّاحُ يُحبُّ النّوم ؟!‏

فجأة.. نَهقَ الحمارُ بصوتٍ عالٍ، وقال:‏

-        سمير، على ذكرِ الأحلام ، أحبُّ أن أحكي لكَ عن حلمي.‏

وقفَ الدّبُّ الكبيرُ ذو الفرو الأبيض، الذي يُشبهُ القطن حرّكَ رأسهُ الكرويّ، وقالَ:‏

-حمار.. اسمح لي أن أتكلّم، لأنّني كثيرُ النّسيان، أمّا أنت فمشهورٌ بالصّبرِ وطول البال، على كلّ حالٍ، لن أطيل.‏

سكتَ الحمارُ على مَضضٍ، نَظرَ سميرٌ إلى الدُّبّ مستغرباً، قال:‏

-دبدوب.. هل لديكَ أحلام؟!‏

-ومَن قالَ لكَ إنّ الدببةَ لا تحلم؟ أم تراكَ صدّقتَ كلامَ بعض النّاسِ أنّ الدببةَ غبيةً وبليدةً، صحيحٌ أنني كبيرٌ جداً، لكنني حسّاس.‏

-طيب.. بماذا تحلم؟‏

-حلمي الصحراء، لقد كَرِهتُ الثّلجَ والبردَ، آه.. كم أنا مشتاقٌ لرؤيةِ الكثبانِ الصّفراء، وأشجارَ النخيلِ الخضراء، سأجري تحت أشّعةِ الشمسِ المحرقة، حتى يتصببَ العرقُ من جسمي.‏

لمَ يصبرُ الحمارُ حتى يُنهي الدب حديثه، فنهقَ من جديدٍ، ضارباً الأرضَ بحافرهِ، مشيراً إلى أنّ دوره في الكلامِ قد حانَ.‏

-دَوُركَ.. دَوُركَ، تَفضل.‏

-أشكُركَ يا صديقي الطيب على تَقديرِكَ، وحُسن استماعِكَ، فأنا لم أنَلْ من الناسِ سوى الضربِ والشتائِم، المهم.. عندي حلمٌ وحيدٌ وهو السّباحة، لا تَستغرِب، فأنا أحبّها مذ كنت جحشاً صغيراً تصوّر.. في كثير من الأحيان أتخيّلُ سَطلَ الماء الذي أشرب منه بحيرةً كبيرةً، صدقني، لكنّ صاحبي القديم- سامحه اللّه لم يشجعّني. على العكس، كان يمنَعني من السيرِ حتى في الحُفَرِ الصغيرة، المليئة بأمطارِ الشتاء، كان يشدّ رسني بقوّة ، ليزيحني عنها، زاعماً أنّي سأنزلق واقعاً.‏

التفتَ سميرٌ إلى السّلحفاةِ، التي كانت تقفُ بجانبِ السريرِ، مَدَّ يدهُ صَوبَها، نقرَ بإصبعهِ على دِرعِها العظمي، فمدّت السلحفاةُ رأسها ببطءٍ.‏

-صباحُ الخيرِ، لقد فاتَكِ حديثٌ طَريفٌ، لم تسمعيهُ من قبل، حظّكِ سيء.‏

-ومَن قالَ لكَ إنّني لم أسمعه؟ أنا لم أكن نائمة كما ظننتَ، لقد أدخلتُ رأسي كي أعطي لأصدقائي فرصةً للتكلّم، فلا أقاطِعُهُم، أمّا الآن وقد جاءَ دوري، فأنا أُعلنُ أمامَ الجميعِ، أن الطيرانَ أحبُّ شيءٍ إلى نفسي، لقد قطعتُ خلال مئة وخمسينَ عاماً، مسافةً يقطعُها الطائرُ بيومٍ واحدٍ.. ضع لي جناحين، سأطيرُ سأرى الأشجارَ والسّهولَ والبحارَ، سألعبُ مع الغيماتِ ، وأراقصُ النّجمات، سوف...‏

-على مهلكَ.. على مهلكَ، سأحقِقُ أحلامكم، أمري للّه.‏

فرحت الحيواناتُ، اصطفّت أمامهُ، فنهضَ إليها منادياً:‏

-صيّاح.. تعالَ، سأضعُ لكَ أُذني أرنب.‏

سُرَّ الديكُ بأذُنَيه الجديدتين، نظرَ إلى حقلِ البرسيم البعيد، وقبلَ أن يقفزَ نحوهُ، قال سمير:‏

-صيّاح.. كُنْ حذراً، الصيادونَ يُحبّونَ الأرانبَ، حاول أن تسمعَ خُطاهم بأذنيكَ الطويلتين، لتنجو من رصاصهم.‏

ودّعَ صيّاحُ أصدقاءه، وقفزَ مقلّداً الأرنبَ، قاصداً الحقلَ، كي ينامَ بهدوءٍ.‏ 

-دبدوب.. دورُكَ.‏

كانت لحظة وضعِ سنامُ الجملِ على ظهره، مِن أسعد لحظات عمُرهِ لذا حملَ قِربَةَ الماءِ، وجرى باتّجاهِ الصحراء، صاح سميرٌ:‏

-دبدوب.. دبدوب، لا داعي للقِربة، فالسّنامُ مليءٌ بالماءِ.‏

رمى الدبُ القِربةَ أرضاً، وجرى مُغنياً:‏

ركضَ الدّبْ ..... عَرق الدّبْ

رقصَ.. غنّى لحن الحبْ‏

-حماري ، الآن ستسبحُ، حاول ألاّ تبتعد عن الشاطئ فالبحيرةُ عميقةٌ، وأخشى عليكَ من الغرقِ.‏

لم يُصدق الحمارُ أن حوافِرَهُ استُبدِلَتْ بأرجلِ بطّة، جرى إلى البحيرةِ، رمى نفسهُ في الماءِ، وراحَ يسبحُ كحوتٍ صغير.‏

أشارَ سميرٌ إلى السّلحفاةِ، فمشت إليه مسرعةً لأوّلِ مرةِ في حياتها، كأنها استبدلت عجلاتٍ بأرجلها.‏

ضحكَ سميرٌ، وقال:‏

- على مهلكِ.. ستطيرين، ولكن بشرط.‏

- ما هو؟‏

- الطّيورُ تشدو، وأنا أحبُّ أن أسمعَ صوتكِ.‏

- حاضر.. سأشدو لكَ أعذبَ الألحان، هيّا.. ضع لي جناحين، خلّصني.‏

عندما طارت السّلحفاةُ، شعرَ سميرٌ بالوحدةِ، نظرَ جانباً شاهدَ طائرتَهُ الورقيّة الملوّنة مركونة في زاوية الغرفة، اقتربَ منها.. حَملها.. ضمّها إلى صدرهِ مغمضاً عينيه، وراحَ يحلمُ بأنّه يُحلّقُ بها عالياً، حائماً حول العالم كلّه.‏

 

 

ملكُ الضفادع

كانت هناكَ مجموعةٌ من الضّفادعِ الّتي تعيشُ بسلامٍ داخلَ إحدى البِرَك، وفي يومٍ من الأيّامِ قرّرت الضّفادعُ بأنّها تحتاج إلى ملكٍ كي يُدبّرَ لها أمورها، فاختلفت فيما بينها الضّفادع أيها أجدر بأن يكون ملكاً عليهم؟ فطلبت من حاكمِ الغابةِ أن يُرسلَ إليها ملكاً غريباً من صنفٍ آخر، ولأنّه أرادَ السّخرية منها أرسلَ طائرَ اللقلق، كي يعيشَ بينها ويحكمَ في الأمور.

فرحت الضّفادعُ بقدومِ الطّائر، وأقامت حفلةً رائعةً داخلَ البحيرة لتعيينه ملكاً جديداً، ولكنّها تفاجأت بعدمِ استجابة الطّائر لها، وجلوسه وحيداً دون أن يتكلّمَ معها، فقالت الضفادعُ: ربّما لأنّه جديدٌ يخافُ منّا، سنتعرّف عليه غداً.

نامت الضّفادعُ بهدوءٍ واطمئنانٍ، وكان الطّائرُ يتحضّر ليأكلها، ولكن استيقظَ أحدهم من نومهِ فجأةً، وحذّر أصدقاءَه من الطائرِ، وقال لهم بأنّه شريرٌ، فاختبأت الضّفادعُ في أماكن آمنة، حتّى ذهبَ الطّائرُ وغادر، وشكروا زميلهم الضّفدع على تنبيهه إيّاهم، وتعلّموا بألّا يضعوا ملكاً جديداً غريباً عنهم.

قطعُ الاشجارِ

 

عندما جاءَ العمّال ليقوموا بقطع أشجار الشارع العام، سمعت ريم ضجيجاً وأصواتاً كثيرة، فأسرعت تَطلُ من نافذةِ غُرفتها. فوجدتهم وقد أتوا بسلّمٍ حديدي طويل وبمنشارٍ كهربائي برتقالي اللون ،وأخذوا يشيرون إلى الشجرة الباسقة التي تمتد فروعها نحو نافذة ريم، وأحدهم يقول : لنبدأ بهذه الشجرة الكبيرة أولاً.‏

عند ذلك دخلت أختُ ريم الصغيرة إلى الغرفة وركضت نحو النافذة وهي تصيحُ :ريم ..ريم..إنهم يقطعون الشجرة التي تحبينها ، أوقفيهم ....لماذا لا تقولين لهم شيئاً ؟ ألم تري ماذا يفعلون ؟‏

ضحكت ريم وهي تنظرُ إلى أختها وقالت :‏

وهل تعتقدين أنهم سيقطعون الشجرة كلها ؟لا، إنهم يقطعون الاغصان الكبيرة الممتدة والمتشابكة.‏

-ولماذا يقطعونها ؟إن منظرها جميل !‏

ولكنها تحجبُ الضوءَ عن باقي أجزاء الشجرة .وهم اذا يقطعونها يعطون الشجرة أيضاً شكلاً أجمل ويعيدون إليها حيويتها.‏

ولما كانت ريم منشغلة بحديثها مع أختها الصغيرة لم تنتبه لما كان يجري في الخارج .‏

كانت مجموعة العصافير التي تسكن الشجرة تتعالى أصواتها وهي تتشاور فيما بيتها عما يمكنها عمله ما داموا سيقطعون أغصان الشجرة ..وهم قد بنوا عليها أعشاشهم منذ شهور!....‏

لا بد لهم إذن من أن يهاجروا ...ولكن أين ؟‏

وارتفعت أصواتهم أكثر وازدادت حدة وعصبية ، حتى إن العمال عدلوا عن رأيهم وقرروا أن يقوموا أولاً بقطع أغصان الأشجار التي تقع في نهاية الشارع.‏

وفي صباح اليوم التالي عندما فتحت ريم نافذة غرفتها سمعت أصواتَ العصافيرِ وهي تُزقزقُ عالياً ،ولمّا نظرت إلى الشجرة الكبيرة وجدتها وقد قُطِعَ ما كان عليها من أغصان ، فتساءلت :‏

-أين ذهبت تلكَ العصافير يا ترى ؟..‏

لابد أنها في مكان قريب ..

ولم تبحث ريم طويلاً ثم قالت :‏

-أجل إنها هناك في حديقةِ الجيرانِ على الشجرةِ ذات الأوراق الإبرية كأنها الأشواك .‏

وبينما هي تفكرُ اذا بعصفورٍ يفردُ جَناحيهِ حائماً حولَ الشجرةِ الكبيرةِ ثم ما لبثَ أن حطَّ عليها وهو ينظرُ إلى باقي العصافير وهي تروحُ و تجيءُ حاملةً بأفواهها عيداناً من القشِ .‏

وقفَ العصفورُ طويلاً وهو حزينٌ كئيبٌ ، وبينما هو كذلك حطَتْ بقُربهِ مجموعة من العصافيرِ الفتية، فتقدمَ منهُ أحدُها وقالَ :‏

هل ستطولُ غربتنا عن المسكنِ الذي ولدنا فيه واعتدنا أن نعيش فيه منذ طفولتنا ؟...صَمَتَ العصفورُ قليلاً ثم أجاب :‏

..لا بدَ من أن نبني معاً العش من جديد ....‏

وطارَ عالياً ولحقتْ به بقيةُ العصافير .‏

بقيت ريم في نافذتها تراقبُ جموعَ العصافيرِ وهي تعملُ منهمكةً في بناءِ أعشاشٍ جديدة لها ، وتراقبُ العصفورَ وهو يشجعُ الصغارَ ويساعدهم ويبثُ الأملَ في نفوسهِم .كان يعرفُ أن الشجرةَ سرعان ما تمتدُ فروعها من جديدٍ وتكسوها الأوراق الخضراء ، وعند ذلك يمكن لهم أن يعودوا اليها مرة أخرى .‏

ولمّا أغلقت ريمُ زجاجَ النافذةِ وأغمضت عينيها رأت كم سيكون ربيع الشجرة الكبيرة جميلاً  هذا العام تسكنه العصافيرُ وتملؤهُ بالبهجةِ .‏

علي بابا والاربعين حرامي

 

يعيشُ علي بابا في فقرٍ وحاجةٍ وعَوز ، بينما يمرحُ أخوهُ قاسم في رغدٍ من العيشِ من تجارته النّاجحة، ولا يأبه لحاجة أخيه، وكانت الجارية مرجانة هي اليد الحنون التي تربت على قلبِ علي بابا. وفي يومٍ من الأيام خرجَ على بابا في تجارةٍ طالَ طريقها حتّى أتاه اللّيل فاحتمى وراء صخرة في الصحراء ليقضي ليله، فإذا به يرى جماعةً من اللّصوص يقدمون على مغارة في الجبل يفتحونها عن طريق ترديد عبارة: "افتح يا سمسم" فينشقُ الجبلُ عنها ثم يدخلون، وانتظر علي بابا مراقباً ما سيحصل ،حتى خرجت جماعة اللّصوص ليتقدّم إلى المغارة ويفتحها بكلمتها السّرية "افتح يا سمسم"، دخلَ إليها ليجدها مملوءة بالذّهبِ الذي جَمعهُ اللّصوص من سرقاتهم المختلفة، فجمعَ ما قوي على حملهِ ثم عادَ إلى بيتهِ لينقلبَ الحال به إلى رخاء. وفي اليومِ التّالي أرسلَ مرجانة لتستعيرَ مكيالاً من أخيه قاسم، عندها، شكّت زوجةُ قاسم في أمرِ علي بابا لأنّه لا يملكُ ما يكيل فَلِمَ يحتاجُ المكيال؟ فقامت بدهنِ المكيال بالعسلِ حتى يلتصقَ بقايا ما يكيله، وتعرفُ سرّ علي بابا بعدها؛ فإذا ما عادَ إليها المكيالُ وجدت به عملةً نقديّةً، فدفعت قاسماً إلى مراقبةِ علي بابا حتى يكتشف سرّه، ولا يطول الأمر به ليعرفَ المغارة السّحرية، ويذهب إليها، إلا أن طَمَعه يجعله يكنز المالَ الذي لا يستطيع حمله، وظلّ في المغارةِ حتّى نزلَ المساءُ وعادَ اللّصوصُ فَوَجدوهُ هناك، فقبضوا عليه، ووعدوه بإطلاقِ سراحهِ إذا كشفَ لهم كيف عرفَ سِرّ مغارتهم، فأرشدهم إلى أخيه علي بابا، واتّفق قاسم وزعيم اللّصوص على التّنكر في زيّ تجّارٍ يحملون الهدايا إلى علي بابا، وهي عبارة عن أربعين قدرًا مملوءةً بالزّيتِ ، فاستضافهم علي بابا وأمرَ جواريه بإعدادِ الطّعام، إلا أنهّن لم يجدن زيتًا، فأرادت إحداهنّ الذهاب إلى قدرِ التّجار الأربعين، لتكتشفَ الأربعين لصّاً المختبئين فيها، أخبرت مرجانة علي بابا بالأمر فأمرها بوضعِ حجرٍ على كلِّ قدرٍ فلا يستطيع اللّص الخروج منها، وحين أمرَ الزّعيمُ لصوصه بالخروجِ، ولم يلبّي نداءَهُ أحدٌ ،عرفَ أنّه تم اكشاف أمره، وعندما همَّ علي بابا بالفتك بهم ليجدَ أنّ من بينهم قاسم أخيه وهو الذي وشى به عندهم، استرضاه قاسم ليعفو علي بابا عنه، فصفحَ عن أخيه وعاد إلى مرجانة صاحبة الفضل عليه ليتزوجها ويعيشا سعيدين.

ثمرةُ العملِ

كانَ هناكَ تاجراً غنياً استطاعَ ان يكّون ثروته الكبيرة بجهودهِ ومن عرقِ جبينهِ ، فكان لهذا التاجر زوجة وابنة وابناً صغيراً ....

فكر التاجرُ كيف يطمئن على هذا الطفل الصغير عندما يكبر، ولديه هذه الثروة الكبيرة ؟ علماً أن هذا الطفل الصغير كان كثيرَ المرحِ واللعبِ واللهوِ

خافَ الابُ ان يقومَ هذا الطفلُ عندما يكبرُ بتضييعِ ثروتهِ، فقررَ ان يختبرَ ابنه ويُعلمهُ درساً عن قيمةِ العمل فناداه :-

التاجر :- ولدي انتَ صرت اليوم كبيراً فاذهبْ هذا اليوم واعمل لأرى ما تجنيهِ من عملكَ في نهايةِ اليوم، واذا لم تعملْ فلن تحصل على وجبةِ العشاء .

 وخرج التاجر الى عمله .

ذهبَ الابنُ الى امهِ مباشرةً وهو يبكي ( أماه اعطيني مالاً ) قالت ولماذا يا ولدي فاخبرها بما قالَ لهُ أبيه، فأعطتهُ الامُ نقوداً بعد أن ألحَ عليها باكياً .

وفي المساءِ عادَ الابُ من عملهِ وسألَ ابنهُ ماذا جَنَيتَ اليوم من عملكَ يا ولدي ؟

الابن :- لقد جَنيتُ هذه النقود يا أبي ( وأخرجَ لهُ النقودَ التي أعطتهُ اياهُ أمه )

التاجرُ :- حسناً يا بُني ارمي بهذه النقود في البئر .

فأسرع الابنُ ورمى النقودَ في البئرِ ، عندها أدركَ التاجرُ أن ابنه لم يعملْ هذا اليوم وأن هذه النقود قد حصلَ عليها من أمهِ، تحدثَ التاجرُ مع زوجته بأن لا تعطيه نقوداً مرة أخرى.

وفي اليوم التالي كررَ الابُ نفسَ الطلبِ على ولده .

ففكرَ الابنُ أن يأخذَ النقودَ من أختهِ الكبرى، فأعطتهُ اخته النقودَ أيضاً.

وعند عودة التاجرُ من العملِ كَررَ نفسَ السؤال :-

ماذا جنيتَ اليوم من عملكَ يا ولدي؟

الابنُ :- لقد جنيتُ هذه النقودَ يا أبي ( وأخرج له النقودَ التي أعطته اياهُ اخته  .

التاجرُ :- حسناً يا بُنَي ارمي هذه النقود في البئر .

فأسرعَ الابنُ ورمى النقودَ في البئر ، عندها أدركَ التاجرُ أن ابنهُ لم يعمل هذا اليوم ايضاً، وأن هذه النقود قد حصلَ عليها من أختهِ ، تحدث التاجرُ مع ابنتهِ ، بأن لا تعطيه مالاً مرة أخرى.

وفي اليومِ الثالث كررَ الابُ نفسَ الطلبِ على ولدهِ ، أن يخرجَ للعملِ ويجني ثمرة عمله .

اضطرَ الابنُ أن يخرجَ  ، فوجدَ محلاً فيه بضاعة خارج المحل، فذهبَ الى صاحبِ المحل وطلب أن يعملَ عندهُ  فقالَ لهُ صاحبُ المحل ،حَمّلْ هذه البضاعة مع العمالِ، فاستَغرقَ العمل من الصباحِ حتى عصر ذلك اليوم .

فرجِعَ التاجرُ الى البيتِ ونادى ابنه وكررَ عليه الطلب، يا ولدي ماذا جنيت اليوم ؟

أخرجَ الابنُ نقوداً من جيبهِ فقالَ له التاجرُ ارمها في البئرِ يا ولدي

ولكن الابنُ ترددَ من رمي النقود في البئرِ وأخذَ يبكي ، وهو بقول لقد تعبتُ بها كثيراً يا أبي فقالَ لهُ أبوهُ ، لأنك تعبتَ بها يا ولدي لا تريدُ أن ترميها  ، وفرحَ الابُ وأصبحَ مطمئناً على ثروته .

القناعةُ كنزٌ

جاءَ في حِكَمِ وقصصِ الصّين القديمة، أنّ ملكاً أرادَ أن يكافئ أحد مواطنيه، فقالَ له:" سأمنحكَ من الأرضِ كلّ المساحاتِ التي تستطيعَ أن تقطعها سيراً على قدميك "، ففرحَ الرّجلُ، وشرعَ يمشي في الأرضِ مُسرعاً ومهرولاً في جنونٍ، وسارَ مسافةً طويلةً فتعب، وفكّرَ في أن يعودَ للملكِ ليمنحهُ المساحةَ التي قطعها، ولكنّه غيّرَ رأيهُ، وقرّر مواصلةَ السّير ليحصلَ على المزيدِ، وسارَ مسافاتٍ أطول وأطول، وفكّرَ في أن يعودَ للملكِ مُكتفياً بما وصلَ إليه، لكنّهُ تردّدَ مرّةً أخرى، وقرّرَ مواصلةَ السّيرِ ليحصلَ على المزيد والمزيد.

ظلّ الرّجلُ يسيرُ ويسيرُ، ولم يعدْ أبداً، فقد ضَلَّ طريقهُ وضاعَ في الحياة، ويقال أنّه وقعَ صريعاً من جرّاءِ الإنهاك الشّديد، ولم يمتلك شيئاً، ولم يشعرْ بالاكتفاء والسّعادة، لأنّه لم يعرفْ حدَّ الكــفاية أو القناعة. 

الطبيبُ والعجوزةُ

خرجَ الطبيبُ الجراح الشهير- ايشان -على عَجَلٍ كي يذهبَ إلى المطارِ للمشاركةِ في المؤتمرِ العلمي الدَولي ، الذي سيلقى تكريماً فيه على انجازاته الفريدةِ في عالمِ الطب ، وفجأةً وبعدَ ساعةٍ من الطيرانِ أعلنَ الكابتن أن الطائرةَ أصابها عطلٌ بسببِ صاعقةٍ وستهبطُ اضطرارياً في اقربِ مطارٍ.

توجهَ إلى استعلاماتِ المطار وقالَ : أنا طبيبٌ عالميٌ، كل دقيقةٍ تساوي أرواحَ ناس وانتم تريدونَ ان أبقى 16 ساعة بانتظار طائرة؟

أجابَهُ الموظفُ: يا دكتور، اذا كنتَ مستعجل يمكنكَ استئجارَ سيارةٍ والذهابَ بها فرحلتُكَ لا تبعد عن هنا سوى 3 ساعاتٍ بالسيارة.

رَضيَ ايشان على مَضضٍ ، واخذَ السيارةَ وظلَ يسوقُ ، وفجأةً تغيرَ الجوُ وبدأَ المطرُ يَهطلُ يغزارةٍ ، وأصبحَ من الصعبِ أن يرى أي شيءٍ أمامهُ، وبعد ساعتين أيقنَ أنهُ قد ضَلَّ طريقهُ وأحسَّ بالجُوعِ والتعبِ.

رأى أمامهُ بيتاً صغيراً فتوقفَ عندهُ وطَرَقَ البابَ فسمِعَ صوتَ امرأةٍ عجوزٍ تقول:

تَفضل بالدخولِ كائناً من تكون، فالبابُ مفتوحٌ

دَخَلَ وطلبَ من العجوزِ المُقعَدَة أن يستعملَ الهاتف.

ضحكتِ العجوزُ وقالت : اي هاتفٍ يا بُنَي؟ ألا ترى أين انت؟

ولكن تفضل واسترح وصُب لنفسكَ فنجاناً من الشاي الساخن ، وهناكَ طعامٌ على الطاولةِ،  كُلْ حتى تشبع وتسترد قوتك.

شَكَرَ ايشان المرأةَ وجلسَ يأكل بينما كانت العجوز مشغولةً بشيء، انتبه فجأةً وإذ يرى طفلاً صغيراً نائماً بلا حِراكٍ على سريرٍ قربَ العجوزِ، وهي تهزهُ بين كل فترة وأخرى .

استمرتِ العجوزُ على هذا الحالِ  طويلاً، فتوجه ايشان لها قائلاً: يا أماه.... لقد اخجَلَني كَرَمكِ ونُبل أخلاقكِ، وعسى الله ان يستجيبَ دعواتكِ ، قالت لهُ العجوزة : يا ولدي أما أنتَ فعابرُ سبيل ٍ ساقكَ اللهُ الينا ،  وأما دعواتي فقد أجابها اللهُ كلها إلا دعوة واحدة ، قال لها الطبيبُ  : وماهي تلك الدعوة يا أماه؟

قالتِ العجوزةُ : هذا الطفلُ الذي تراهُ هو حفيدي، وهو يتيمُ الابوين ،وقد أصابهُ مرضٌ عضال عَجزَ عنه كل الاطباءِ عندنا، وقيلَ لي أن جرّاحاً واحداً قادر على علاجه يقال له ايشان، ولكنهُ يعيشُ بعيداً من هنا ولا طاقةَ لي بأخذِ هذا الطفل إلى هناكَ ، واخشى أن يأخذَ اللهُ أمانتَهُ ويبقى هذا المسكينُ بلا حولٍ ولا قوة ، فدعوتُ اللهَ أن يُسهّلَ أمري.

بكى ايشان وقالَ: يا أماه إنّ دُعاءَكِ والله قد عطّل الطائرات ،وضربَ الصواعق وأمطرَ السماء ، كي يسوقني إليكِ سوقاً، والله لقد أيقنتُ أن اللهَ عز وجل يسبب الأسباب لعبادهِ المؤمنين بالدعاء.. سبحانك ما أعظمكَ وما أكرمكَ يا الله

 

سِرُ السعادة

 

يًحكى أنّ أحدَ التّجارِ أرسلَ ابنهُ لكي يَتعلمَ سرّ السّعادةِ لدى أحكم رجلٍ في العالمِ، فمشى الفتى أربعينَ يوماً حتّى وصلَ إلى قصرٍ جميلٍ على قمّةِ جبلٍ، وفيه يسكنُ الحكيمُ الذي يسعى إليه، وعندما وصلَ وجدَ في قصرِ الحكيمِ جمعاً كبيراً من النّاسِ، فانتظرَ الشّابُ ساعتين ليحينَ دوره

أنصتَ الحكيمُ بانتباهٍ إلى الشّابِ، ثمّ قالَ لهُ: الوقتُ لا يتّسع الآن، وطَلبَ منهُ أن يقومَ بجولةٍ داخلَ القصرِ، ويعودُ لمقابَلَتهِ بعدَ ساعتين، أضافَ الحكيمُ وهو يُقدّمُ للفتى ملعقةً صغيرةً فيها نقطتان من الزّيتِ: أمسكْ بهذهِ الملعقة في يدكَ طوالَ جولتكَ، وحاذر أن ينسكبَ منها الزّيت! أخذَ الفتى يصعدُ سلالمَ القصرِ ويهبط مثبّتاً عينيه على الملعقةِ، ثمّ رجعَ لمقابلةِ الحكيم الذي سأله: هل رأيتَ السّجادَ الفارسيّ في غرفةِ الطعام؟ والحديقة الجميلة؟ وهل استوقفتكَ المُجلداتِ الجميلةِ في مكتبتي؟

إرتَبَكَ الفتى واعترفَ له بأنّه لم يرَ شيئاً، فقد كان همّهُ الأول ألا يسكب نقطتي الزّيت من الملعقة، فقال الحكيمُ: ارجعْ وتَعرّفْ على معالمِ القصرِ، فلا يمكنكَ أن تعتمدَ على شخصٍ لا يعرفُ البيتَ الذي يسكنُ فيه. عادَ الفتى ليتجوّلَ في القصرِ منتبهاً إلى الرّوائع الفنيّة المعلقة على الجدران، وشاهدَ الحديقةَ والزّهور الجميلة، وعندما رجعَ إلى الحكيمِ قصّ عليه بالتّفصيل ما رأى، فسألهُ الحكيمُ: ولكن أين قطرتا الزّيت اللتان عهدتُ بهما إليك؟ نظرَ الفتى إلى الملعقةِ، فلاحظَ أنّهما قد انسكبتا، فقالَ لهُ الحكيمُ: تلك هي النّصيحة التي أستطيع أن أسديها إليك! سرُّ السّعادة هو أن ترى روائعَ الدّنيا، وتستمتعَ بها، وذلك دونَ أن تسكبَ أبداً قطرتي الزّيت. فهم الفتى مغزى القصّة، فالسّعادةُ هي التّوازنُ بين الأشياء، وقطرتا الزّيت هما الصحة والامان. فهما التوليفةُ النّاجحةُ ضدّ التّعاسة.

ُالبطة ُالشقية

في يومٍ من أيامِ الصيفِ الجميلة، قرّرت بطّةٌ شقيّة أن تَخرج لتلعبَ في الحديقةِ المُجاورة لمنزلها، وبينما هي تلعبُ شاهدَها أصدقاؤها، وطلبوا منها أن تذهبَ معهم ليلعبوا بجانبِ النهرِ، فاستأذنت من والدتِها وسمَحت لها بالخروجِ ، ولكن بشرطِ أن لا تبتعدَ عن أصدقائها، وتبقى معهم كي لا يحدثَ لها أيّ مكروه.

سارَ الأصدقاءُ مع بعضهم البعض وهم يضحكونَ ويتمازحونَ، ولكنّ البطة الشقيّة مَلت منهم ومن مِزاحِهِم، فقرّرت أن تركضَ سريعاً وتلعبَ في الطريقِ وحدَها، وعندما طلبوا منها أن لا تبتعدَ عنهم وتبقى معهم كي يساندوها إن تَعرّضت لأي خطرٍ، أجابتهم لن أذهبَ بعيداً، لكنّني سوف أسبقكم إلى النهرِ ، وأنا قويّةٌ جداً أعرفُ كيف أدافعُ عن نفسي، ولا أحتاجُ لمساعدتكم، ومع ذلك حاولَ أصدقاؤُها منعها عن الذهابِ ولكنّها رفضت أن تستجيبَ لطلبهم فذهبت.

بينما كانت البطةُ الشقيّةُ تلعبُ وتغنّي وهي في الطريقِ سمعَ صوتَها ذئبٌ جائعٌ كان يتجوّلُ ويبحث عن طعامٍ ليأكله، فأعترضَ طَريقها وحاولَ أن يهجمَ عليها ليفترسها ويأكلها، فصرخت البطّةُ بأعلى صوتها أنقذوني ......أنقذوني ، الذئب يُريد أن يفترسني، فسمعَ أصدقاؤها من بعيدٍ صوتها ورَكضوا سريعاً وهم يبحثون عنها، فوجدوا الذئبَ يستعدّ لمهاجمتها فوقفوا أمامَهُ، وبسببِ عددهم الكبير جداً خاف منهم وهَرَب.

شَكَرت البطّةُ أصدقاءَها، وقالت لهم لم أكنْ أعلمُ أنّكم أقوى منّي، فأجابوها نحن أقوياء لأنّنا نتعاون مع بعضنا البعض، ولولا أننا وقَفنا كَيَدٍ واحدةٍ أمامَ الذئب لما خافَ منّا وهَرَب ، فتعلّمتِ البطّةُ من هذا الموقف درساً لن تنساه أبداً وقرّرت أن تلعبَ مع أصحابها وأن لا تبتعدَ عنهم، كي لا يحدثَ لها أيّ مكروه، وفَهِمَتْ معنى التعاون معهم والأخذ بنصيحتهم.

 

 

 

الأسدُ والفأر

 

إستيقظ أسدٌ من نومهِ فجأةً على أثرِ سقوطِ فأرعلى إحدى قدميهِ الأماميتين. إضطربَ الأسدُ في عَرينهِ –العرين بيت الاسد - ، لكنه رآه  فأراً ، أمسكَ بهِ وبكلِ سُخريةٍ قال لهُ: "ألا تعلم أن ملك الحيوانات نائم؟ كيف تجاسرت ودخلت عرينه؟ كيف تلعب وتلهو ولا تخف منه؟

أدرك الفأر أن مصيره الموت المحتوم، فتمالك نفسه و قال: سيدي جلالة الملك، إني أعلم قوتك العظيمة وسلطانك .إني فأرٌ صغيرٌ للغاية أمامَ قوة جبروتك. لا يليق بملكٍ عظيم أن يقتل فأراً صغيراً. إني لا أصلحُ أن أكونَ وجبةً لك، إنما يليقُ بكَ أن تأكلَ إنساناً أو ذئباً سميناً أو ثعلباً .أرجوكَ من أجلِ عظم جلالك أن تتركني".

في استخفافٍ شديدٍ قالَ له: "ولماذا أترككَ وأنتَ أيقظتني من نومي؟ فإن الموتَ هو أقل عقوبة لكَ... فتكونَ درساً لأخوتك!" بدموعٍ صرخَ الفأرُ: "يا سيدي الملك، الكلُ يعلمُ عظمتكَ ويدركُ أنه لا وجه للمقارنةِ بينكَ وبيني، أنا الضعيفُ والصغيرُ جداً. ارحمني واتركني هذه المرة، وأعلم يا سيدي أنه ربما تحتاج إليَّ!"

ضحكَ الأسدُ مستهزءً وهو يقول: "أنا أحتاجك، كيف تتجاسر وتقول هذا؟"

اضطرب الفأرُ جداً، لكنه تجاسرَ فقال: "سيدي جلالة الملك، اتركني، وسترى بنفسك حاجتك إلى ضعفي".

ألقاهُ الأسدُ وقالَ: "سأرى كيف يحتاجُ ملكُ الوحوشِ إلى مَن هو مثلك".

أنطلقَ الفأرُ جارياً وهو يقولُ: "شكراً يا سيدي الملك. أن احتجت إليَّ ازأر ، فتجدني في خدمتك".

بعدَ أيام قليلة سقطَ الأسدُ تحت شباك صياد ماهر، فزأر الأسدُ بكلِ قوةٍ. اضطربتْ كل حيوانات البرية فزعاً، أما الفأرُ ما ان سمعَ زئيرَ الأسد حتى انطلقَ نحوَ الصوت. فرأته الحيوانات يجري فسألته عن السبب، فقال لهم: "أني اذهبُ إلى جلالةِ الملك لأفي بوعديّ!"

ذهبَ الفأرُ إلى الأسدِ فوجده حبيساً في شبكةِ صيادٍ. فبدأ يقرضُ الشبكةَ بكلِ قوته، وكانَ العملُ شاقاً للغاية. و قَرَضَ جزءً كبيراً، فانطلقَ الأسدُ من الشبكةِ وهو يقول: "الآن علمتُ أن الملكَ مهما بلغتْ قُوتهِ وعظمتهِ، لن يتمتع بالحياةِ والحريةِ دون معونة الصغار الضعفاء. كل كائنٍ محتاجٌ إلى غيره!"

علاء ُ الدين

عاشَ في قديمِ الزمانِ شابٌ يُدعى علاءُ الدين، وكان لعلاء الدين عمٌ يبحث عن الكنوز ، و قد اشتهرت عائلة علاء الدين بالسرقة ، و في يوم من الأيام ذهب علاء الدين مع عمه ليبحث معه عن كنزٍ مدفون  تحت  الارضِ في إحدى المغارات ، فطلبَ منه عمه أن ينزلَ الى المغارةِ ليُحضرَ له مِصباحاً في داخلها، نزلَ علاءُ الدين الى المغارة و وجد فيها الكثير من الذهبِ لكنه لم يوليهِ أي اهتمامٍ ، بل ذهبَ لأن يحضر المصباح لعمه.

واجهَ علاءُ الدين بعض المشاكل لكنه تجاوزها  إلى أن أخذ المصباحَ ، و ما إن أمسكَ به حتى أُغلقت المغارة عليه ،أشعل علاء الدين المصباح لكنه تفاجأ بصوتٍ يخرج منه ، تلفت حوله و إذا بماردٍ يخرج من المصباح ،خاف علاء الدين كثيراً

قال الماردُ لعلاء من أنت ؟  فأجابه بأن اسمه علاء الدين ، شَكَرهُ المارد لأنه قام بإخراجه من المصباح قائلاً له: لقد كنت نائماً في هذا المصباح منذُ مئات السنين ، و سأنفذ لك أي شيء تأمرني به مكافأة لك على ذلك، فأجاب علاء المارد بأنه يريد الخروج من المغارة و الذهاب الى البيت فنفذ له المارد ما طلب.

في تلك الأثناء كان عم علاء الدين قد ذهب ليبحث عن كنزٍ في مكان آخر ظناً منه أن علاء قد مات في المغارة، ولكنه لم يحزن على علاء لأنه كان شرير

و في ذلك الزمان كان هناك سلطان يسمى قمر الدين وكان لهذا السلطان بنت اسمها الأميرة ياسمين و قد اشتهرت بجمالها و أخلاقها، قابل علاء الدين الأميرة ذات يوم و أعجب كل منهما بالآخر

أراد علاء أن يتقدم لياسمين ، لكنه كان فقيرا ولم يستطع ذلك ، وكان وزير السلطان لديه ابن واتفق مع الملك بأن يزوج الاميرة من ابنه الذي كان يهتم لمظهره أكثر من اللازم وكان غبي ، وبعد أن وجد علاء الدين المصباح وذهب الى البيت ، أخبر أمه بكل ما حصل معه ، وعندها طلب علاء الدين من المارد أن يحضر له خاتم سليمان السحري فأحضره له وطلب علاء الكثير من المال والهدايا وذهب علاء الدين الى السلطان ليطلب يد الاميرة ياسمين للزواج فقال السلطان لعلاء الدين أن ابنته مخطوبه لابن الوزير فحزن علاء الدين لذلك حزنا شديداً و عاد الى منزله.

وفي يوم زفاف الاميرة ياسمين طلب علاء من المارد أن يجعل ابن الوزير أحمق أمام الاميرة فنفذ له ما طلب و ألغي ذلك الزواج ، فقرر علاء الدين أن يتقدم مرة أخرى الى السلطان لطلب يد الاميرة ياسمين وطلب السلطان من علاء الدين أن يبني قصراً للأميرة، فوافق علاء الدين وذهب الى المارد ليبني له قصراً و نفذ له المارد طلبه.

تزوج علاء الدين بياسمين، و بعد مدة عاد عم علاء الدين من البلاد البعيدة وعرف أن علاء الدين لم يمت بل وجد المصباح وعاش وكان يستخدم المصباح ففكر في أن يسرق المصباح منه فتنكر في زي بائع مصابيح ليبدل القديمة بالجديدة وعندما رأت ياسمين مصباح علاء القديم أخذته الى البائع لتقوم باستبداله بآخر جديد وذهب البائع الى مكانه وعندما عاد علاء الدين الى بيته وجد أن الأميرة قد استبدلت مصباحه فحزن حزناً شديداً، وعندما أخذ عم علاء الدين المصباح فأصبح المارد يخدمه فطلب منه أن يخفي قصر علاء الدين فأخفاه

 وعندما اختفى كل شيء سألت الأميرة علاء الدين عن الأمر فقال لها الحقيقة فطلب علاء الدين من الخاتم الذي معه أن يظهر الجني الذي فيه وبعد أن ظهر الجني جرت معركة بين المارد والجني وكان الجني خائفاً من ابن عمه المارد ، وكان اقوى من سحر الجني فحوّل المارد الجني الى فأرٍ ، وتحول هو الى قطة وهاجم الجني وخاف المارد وتحول الى تنين وهاجم الجني ولكن الجني تحول الى جمل فاطفأ نار التنين فتحول المارد الى فيل ليهزم الجني ولكن الجني تحول الى فأر فخاف المارد من الفأر فتحول الى جبن فذهب الفأر الى الجبن لأكلها ولكنه وقع في المصيدة، وفاز المارد بالمعركة.

ذهب علاء الدين بعد تلك المعركة الى عمه ليطلب منه السماح و أن يعفو عن أمه وزوجته الأميرة ياسمين فلم يستجب لطلبه فضحك علاء الدين من عمه وقال له إن المارد أصبح له ، لأنه سرقَ المصباح منه بينما كان يرجوه وحول المارد عم علاء الدين الى حجر، وعندها سألت الأميرة علاء الدين عن حبه لها إن كان وهماً أم حقيقة ؟ فأجابها بأنه يحبها فعلاً و عاش الاثنان في سعادة و هناء.

 

دجاجةُ جاك

كانت تعيشُ امرأة مع ابنها - جاك-  في مزرعةٍ صغيرةٍ في احدى البلاد ، وكان جاك يساعدُ امهُ كلَ يومٍ في بعضِ الاعمال التي تقوم بها، مثل تقطيعُ الاخشاب، وازالة الاعشاب الضارة في الحديقة ، وحلْب البقرة ، ولكن على الرغم من كل العمل الشاق الذي يقوم به  جاك وأمه ، الا ان أموالهم قليلة ولا تكفي حتى لشراءِ بستانٍ خاص بهم .

قالت الامُ لجاك :ماذا نفعل اليوم ؟ ليس لدينا ما يكفي من المال لشراءِ البذور للمزرعة هذا العام ؟ يجب علينا ان نبيعَ البقرةَ الموجودة لدينا ، ونضيف ثمنها للمال المُتَبَقي لدينا حتى يكفي المال لشراءِ بذورٍ لزراعةِ محصولٍ جَيد ، ردَّ جاك قائلاً : معكِ كلّ الحق يا أمي سأذهبُ الى المدينة وابيعُ البقرةَ . وبالفعل اخذَ جاك البقرةَ  وخرجَ من بابِ المزرعة وسارَ في طريقهِ متجهاً الى سوق المدينة .

ثم قابلَ جاك رجلاً مبتسماً  ، فقال الرجلُ : صباحُ الخيرِ يا جاك ، ردَّ جاك على الرجلِ وهو يتساءلُ في نفسهِ كيف عرف هذا الرجل أسمي ؟ ثم قال :  صباحُ الخير يا عم ،  فرد الرجل على جاك :اين انت ذاهب في هذا الصباح ، فرد جاك : انا ذاهبٌ الى السوقِ لبيعِ بقرة لدينا . قالَ الرجلُ بصوتٍ منخفضٍ : حسناً انتَ ولدٌ  لطيفٌ ،ثم قال لجاك لدي صفقة خاصة لولدٍ شاطر مثلك ، ثم نظرَ الرجلُ حَولهُ ليتأكدَ من عدمِ وجود مَن يسمعهُ ، وفتحَ يَدَهُ لجاك لإظهار ما فيها ، وقال الرجلُ  ان تلكَ البذور سحرية،وهي ثلاثةُ بذور فاصوليا ، وقال  ايضاً انه اذا زرعها في الليلِ ففي الصباحِ  تنمو وتكبر لتصلَ الى السماء ، ويمكن لجاك ان يُتاجرَ بالمحصولِ الذي ستنتجهُ تلكَ البذورِ السحرية ويشتري بقرةً اخرى بدلًا من التي سَيبيعها . فَرَدَ جاك على الرجلِ قائلاً : حقاً هذا ما سيحدث ؟ ! هل انتَ متأكد ان تلكَ البذور سحرية ؟  فردَ الرجلُ عليه قائلاً : نعم بكل تأكيد ، واذا لم تتحول تلك البذور الى ثمارٍ جميلةٍ  فيمكن ان أعيدُ اليكَ البقرةَ ، وبالفعل اخذَ جاك البذورَ وأعطى الرجلَ البقرة ، وعادَ مسرعاً الى والدته فرحا .

 سالتهُ الامُ :لماذا عدتَ سريعاً ما الذي حدث ؟ ، فابتسمَ جاك ووضعَ يَدهُ في جيبهِ واخرج البذورَ لأمهِ واخبرها بأن تلكَ البذور سحرية ، ويمكن عند زراعتها في الليلِ ان تصلَ الى السماءِ في الصباحِ ، فنظرت اليه الامُ وبكت وقالت : أوووه ما تلكَ السخافة يا جاك ! كيف يمكن لك ان تتخلى عن البقرةِ  مقابل ثلاث حباتٍ فقط ، تلك حبوبٌ تافهةٌ وليست سحرية .صعدَ جاك الى غرفتهِ الصغيرة في الطابقِ العلوي، ورمى البذورَ في الحديقةِ من نافذةِ غرفتهِ، وجلسَ يقولُ انني أحمق... كيف لي ان أفعل ذلك ؟ كيف لي ان أكسر قلبَ أمي ؟ ثم نامَ ، وفى صباح اليوم التالي عندما استيقظ جاك من النومِ  قفزَ من السريرِ وفتحَ النافذةَ  لينظرَ الى البذورِ، ثم وجدَ انها بالفعلِ كبُرت  وأصبحَ لها اوراقٌ كبيرةٌ وملتويةٌ مثل الدرج ، وكونّت تلكَ البذور طريقاً طويلاً .فخرجَ  ليرى ما هذا الطريق ؟ والى اين ينتهي، فوجد ان نهايةَ هذا الطريق توجد قلعة ، فركضَ جاك في الطريقِ لكي يصلَ الى القلعةِ ، عندما وصل  الى القلعةِ وجدَ البابَ مفتوحاً ، وتوجد سيدة عملاقة داخل القلعة ولها عينٌ واحدة في وسط جبينها ! وعندما رآها جاك حاول ان يهرب،  لكنها قَبضت عليه وقامَ الحرسُ الخاص بالقلعة بأخذ جاك الى داخل القلعة ، وكانت السيدة العملاقة ليست سيئة للغاية ، فقد احضرت لجاك وجبةَ الافطارِ، لكن جاك لم يتناول تلك الوجبة .وفجأة حدث ضجيج ! فاذا به شخصٌ قادمٌ للقلعةِ ، فقالت السيدةُ: العملاقة ....رباه ...انه زوجي ، لم أقم بتحضيرِ الافطار له فأسرعت مع جاك لتحضيرِ الاطباق و الحليب ليتناول زوجها العملاق الافطار .فقالَ زوجها : بأنه جائع ويريدُ ان يتناول المزيد من الطعامِ ، هل يوجد لدينا اطفال لآكلهم؟ وآخذ عظمهم وأطحنه لكي اصنع الخبز ؟ فردت عليه الزوجة لا يوجد لدينا اطفال للأكل، يجب ان تتناولَ طعامكَ في موعدهَ .وبالفعل تناولَ العملاقُ الطعامَ  ، وبعدها نامَ و قالَت العملاقة لجاك :ان زوجها يُفضلُ النوم قليلاً بعد تناول وجبة الافطار ، ثم عادت السيدة العملاقة الى مطبخِها ومعها جاك ، وكان بيدها سلةً مليئةً بالبيضِ الذهبي، يخرجُ من دجاجةٍ بيضاء كانت تمسكها تلك السيدة ، ثم اخذت السيدة العملاقةُ الدجاجةَ والبيضَ ووضعتهم بخزانةٍ مليئة بالبيض الذهبي . وعندما غَطّ العملاقُ في النومِ ، كاد جاك ان يهربَ ويتسلل من المطبخِ ، لولا ان سمعَ بكاءَ الدجاجةِ البيضاء، فتنَهَدَ وشفقَ عليها ، وعاد مرةً اخرى الى القلعةِ ثم امسكَ بالدجاجةِ  وبدأ يغني لها ، وفجأة استيقظَ العملاقُ على صوتِ جاك وهو يُغني للدجاجةِ ! فركض جاك بأسرع ما يمكن من الطريق الذي اتى منه الى القلعةِ ، لكن العملاق كان يركض وراءَهُ بسرعةٍ كبيرةٍ ،وفجأة ظهرَ العملاقُ لجاك من بين  أوراق  الشجر العملاقة فخاف جاك ! وصاحَ العملاق بصوتٍ مُرعبٍ، ثم قالِ لابدَ من أن آخذ عِظامكَ وأطحنها لتحضير الخبز المفضل لَديّ .وكان العملاقُ يتأرجح على فرع شجرة الفاصوليا التي اهتزت بسبب وزن العملاق الضخم ، فتراجعَ جاك للخلف الى شجرة الفاصوليا بأسرع ما يستطيع ، ولكن العملاق كان وراءه ، اقترب جاك من منزله فنادى على امه بصوت عالٍ قائلاً : ياأمي احضر لي فأساً بسرعة ! فأسرعت الامُ وفي يدها الفأس ،وهى في حالةٍ من الذهولِ والخوفِ على جاك . قفزَ جاك وبدأ يقطعُ في جذور شجرة الفاصوليا لكي لا يصل اليه العملاق ، و بالفعل بدأت شجرة الفاصوليا في الانهيار بمجرد تقطيع الجذور، وذهبَ العملاقُ بعيداً عن منزلِ جاك لكن الدجاجة البيضاء التي غَنّى لها جاك سقطت عند منزل جاك وشكرت جاك كثيراً، لان العملاق كان يحبسها في الخزانةِ الموجودة بالقلعةِ كل يوم .واصبحت تلكَ الدجاجةُ مُلكاً لجاك وأمه ، وكانت تَبيضُ البيض الذهبي الذي كان يبيعهُ جاك ليعيشَ مع أمهِ والدجاجة في سعادةٍ وفرحٍ .

الساحرُ والفأرة

كان  يا ما كان في قديم الزمان

كان هناكَ ساحٌر يسبحُ في النهرِ، وأثناء سباحته في النهرِ رأى فأرةً تغرق  ،فأخرجها من الماءِ وحوّلها إلى فتاةٍ جميلةِ ، وكانت من الجمالِ بحيث قَرَر الساحرُ أن يزوجها بأجملََُِِ وأحسن من يستحقها.

وقال لها : تزوجي أبن الشمس

رَدت الفتاةُ لا.. لن أتزوجه  فهو من دونِ ساقينِ ويَداهُ حارقتان،و يُضيءُ العالمَ في النهارِ وينامُ أثناءَ الليلِ ،ولديه زوجتان : الأضواء والظلال !

ردَ الساحرُ لكنه الأقوى.

قالت الشمس : هذا ليس صحيحاً ، فالسحاب أقوى من ابني  ومني فهي تجعلنا نختفي حينما تشاء .

قال الساحرُ للفتاة : تزوجي السحاب .

رَدت الفتاةُ لا ....لن أتزوجه فالسحابُ قاتِمٌ ، ومنه يسقطُ المطر وله ابنةٌ شريرةٌ اسمها الصاعقة .

رد الساحرُ ولكنه الأقوى .

فقال السحابُ : هذا ليس صحيحاً فالهواء أقوى مني وهو يطاردني حينما يشاء.

قال الساحرُ للفتاةِ تزوجي الهواء.

ردت الفتاة : لا لن اتزوجه فالهواء لا يكف عن الجري في جميع  الاتجاهات .

رد الساحرُ : لكنه الأقوى .

قالَ الهواءُ وهو يَصفِرُ : هذا ليس صحيحاً فالصخرُ أقوى مني ..

قال الساحُر للفتاةِ تزوجي الصخر.

ردت الفتاة : لا لن أتزوجه فالصخر له قلب من حجر ..

رد الساحر و لكنه الأقوى

قال الصخر ... هذا ليس صحيحاً ، فالفأر أقوى مني، لأنه يتسلل من أصغر فتحة من فتحاتي .

قال الساحر إذاً تزوجي  الفأر .

 ردت الفتاة و هي مبتسمة نعم هذا مناسب أكثر.

وحول الساحر الفتاة الى فأرة مرة أخرى

فاندفعت مع زوجها الفأر نحو الحقول في سعادة و سرور ...

الطفلةُ المُدَلَلة

 

 كُلما سارت دينا في الشارع المؤدي لمنزلها، سمعت كلمات يقولها بعض الجيران عنها: "ها هي الفتاة المزعجة ذاهبة ،ها هي الفتاة المُدَللة قادمة  "

 دينا عمرها 6 سنوات، هي الوحيدة لوالديها ولهذا فهما يدللانها كثيراً ، وينفذان  لها كل ما تطلبه  منهما ، حتى اعتادت على هذا. منذ مولدها لم يرفض لها أحدٌ طلباً مهما كان. و كانت تُدرِك هذا، فكانت دائماً تطلب وهي متأكدة من أن طلباتها ستكون مجابة.

في يوم من الأيام تنبهت أمها إلى أن ابنتها أنانية لا تشرك أحداً في شيء، سواء كانت لعبة، أم كان كتاباً أو طعاماً. و اكتشفت أيضاً أن أكثر الأطفال لا يحبون اللعب مع ابنتها لأنها - حسب قولهم – تأمرهم وتطلب أن تطاع، وأحياناً تبكيهم.

فهمت الأم أن تصرف ابنتها مسؤوليتها وخطأ منها ومن والدها، فلولا دلالهما المُفرِط ومنحها كل ما تطلب، لكانت أفضل ولكان لديها صديقات تشاركهن اللعب. بدأت المدرسة ودخلت دينا عامها الدراسي الأول في فصل به مدرسة جادة، والمدرسة كانت قوية تعلم الأطفال كيفية التصرف والتعامل بأخلاق حميدة.

كلُ مَن في الفصلِ لاحظ أن دينا ذكية جداً، ولكن لم تتمكن من الحصول على صديقات حتى دخلت زينب الفصل. زينب كانت جديدة في المدينة وخجولة جداً ولم تكن تجرؤ على الكلام مع أحد، ولهذا فقد تمكنت دينا من التقرب منها، فزينب ضعيفة ، ووجدت دينا أنها قادرة على جعلها تؤدي لها بعض المهمات وتأمرها كما تشاء، وطبعاً وجدت من تلعب معها.

في يوم من الايام ،عاقبت المعلمةُ زينبَ لأنها لم تفكر قبل أن تحل مسائل من مسائل الرياضيات، فأجابتها كلها خطأ.

بكت زينب بمرارة عندما ضحكَ عليها الأطفال. فالمعلمةُ قد قامت بالشرح بشكل وافي، ولكن زينب لم تفهم ، ولم تسأل المعلمة.

أخبرت دينا أمها عن صديقتها زينب وبكائها في الفصل. اقترحت أمها: "لمَ لا تحاولين مساعدتها وشرح الدرس لها ببساطة؟ فهي تحبك وأعتقد أنها ستفهم شرحك أكثر لأنه أبسط."

فقالت دينا: "يا أمي، ليس لدي وقت أضيعه، ماذا أفعل لها إن كان عقلها لا يستوعب؟"

قالت أمها: "ولكن زينب صديقتك، وإن لم تساعديها، فمن سيفعل؟"

ثم قررت أمها أن تخبرها بقصة النملة والحمامة: "حدث في يوم أن سقطت نملة في نبع ماء وبدأت بيأس تحاول إنقاذ نفسها. رأتها حمامة فقطعت ورقة شجرة ورمتها بقربها فصعدت النملة عليها وتمكنت من الوصول، بعد مدة جاء صياد يصطاد الطيور ، وقف تحت الشجرة ليصطاد الحمامة النائمة. النملة رأتها وتنبهت لما ينوي فعله، فقرصته بساقه. صرخ الصياد متألماً فاستيقظت الحمامة على صوته وعرفت ما يجري، فطارت هاربة."

قالت الأم: "هل فهمتِ المغزى من القصة يا دينا؟ القصة تعني أنك إن قمتِ بعمل خير سيعود الخير عليكِ."

قالت دينا: "هذه مجرد قصة وهي للأطفال الصغار وأنا كبيرة."

وهنا وجدت الأم نفسها مضطرة لأن تكون أكثر جدية مع ابنتها، فقالت: "إن لم تساعديها، سأحرمك من مشاهدة برامج الأطفال لمدة أسبوع."

هنا وجدت دينا نفسها مرغمة على عمل ما قالته أمها على مضض. قامت دينا بمساعدة زينب، وبكل بساطة فهمت زينب الدرسَ.

وعندما سألتها المعلمة في اليوم التالي ، أجابت زينب بالإجابة الصحيحة. مدحتها المعلمة أمام الفصل فشعرت زينب بالفخر والسعادة وأخبرت الجميع أن معلمتها كانت دينا، وكيف أن دينا صديقة مخلصة. ولكن دينا كانت ترغب بنسيان هذا الموقف لأنها أجبرت عليه وهي لم تعتد على أن يجبرها أحد على شيء.

في هذه الفترة كانت زينب تحاول إيجاد أي سبيل لرد المعروف لدينا، وحانت الفرصة بسرعة.

في أحد الأيام، غضبت دينا فقامت بشتم طالبة في المدرسة أصغر منها، وهذه الألفاظ ممنوعة تماماً في المدرسة. كما أنها قامت بدفع فتاة أخرى، سقطت الفتاة وجرحت ركبتها.

عرفت مديرة المدرسة بالأمر فعاقبت دينا أمام الطلاب خلال اللقاء الصباحي. كما أنها عاقبتها بأن تبقيها بعد انتهاء دوام المدرسة حتى تنظف الصف من الأوراق. تحطمَ قلب دينا، كانت متكبرة جداً ولم يهنها أحد هكذا من قبل. كانت تتمنى في هذه اللحظة أن تبتلعها الأرض حتى لا تضطر للنظر في وجه أي أحد.

بعد الانتهاء من المدرسة في هذا اليوم، تركت دينا وحدها في المدرسة لتنظيف الصف، فقامت بعمل ما شعرت به طوال النهار، بكت ثم بكت وبكت حتى جفت دموعها.

وعندها حضرت صديقتها زينب لتجدها تبكي بمرارة وندم. فبقيت معها وساعدتها حتى أنهت العمل. وعندها تذكرت دينا القصة التي قصتها عليها أمها. ومن هذا اليوم تغيرت دينا وأصبحت فتاة طيبة، كما أصبحت هي وزينب أفضل صديقتين.

السندباد البحري

 

السندبادُ هو بطلُ المسلسلِ ، و هو من التجّار المعروفين في العراق وبالأخصِ في مدينةِ بغداد، واسمه هيثم أما صديقُ السندباد فاسمه حسن (والمعروف بالشاطر حسن) اما حسنٌ فهو فقيرٌ كان يعملُ بتوزيعِ جِرارَ  - مفردها جرة - المياه.

 يتسللُ سندبادُ مع صَديقهِ حسن إلى الحفلِ الُمقام بقصرِ والي – حاكم- بغداد وهناك يرى عُروضاً سحريةً وبهلوانيةً مبهرةً ، من عارضين عدة من أنحاء العالم، ومن هنا يُقرِرُ سندبادُ أن يرحلَ ليرى العالمَ الواسعَ مع عَمهِ ، الذي أحضَر له عصفورةً تتكلمُ، هذه العصفورةُ اسمها ياسمينة التي تُشارك سندباد بطولتهُ .

ذهبَ السندبادُ مع عمهِ علي في البحرِ، فكان هنالك حوتٌ عملاقٌ في البحرِ، الا انهم صعدوا عليه اعتقاداً منهم أنهُ جزيرةً ، عندها انفصلَ السندبادُ عن عمهِ ، و فبدأت مغامرات السندباد لوحده دون عمه مع طائرهِ الياسمينة، التي كانت في الاصلِ اميرة ، إلا ان المشعوذين حَوَلوها الى طائرٍ ، وعَملوا على تحويلِ أبَوَيها الى نسورٍ بيضاء. العديدُ من المواقفِ التي واجَهها السندبادُ لوحده ، منها المُثيرُ ، و منها المُخيفُ ، فَواجَهَ المَخلوقاتِ الغَريبةِ ، مثل طائرَ العَنقاءِ العملاق ، والمارِدَ العملاق ذا اللونِ الأخضر الذي يأكل البشر .

ومن خلالِ رحلاتهِ تَعَرَفَ السندبادُ على اصدقاءٍ جُدُدْ ، وهم علي بابا ،وكانَ يَعملُ علي بابا لدى مجموعة من اللصوصِ، فكانَ من الاشخاصِ الذين يَجيدونَ استعمال الخَنجَرِ والحبلِ، لكنهُ قَرَرَ أن يُصاحبَ السندباد في جميعِ مُغامراتهِ، لأنه كانَ يُحبُ المغامرات وترك حياة اللصوص، وكان مع السندبادِ في مُغامراتهِ أيضا العَم عَلاء الدين ، فهو رجلٌ كبيرُ في السنِ ،إلا انهُ يُحبُ المغامرات ، وانضمَ الى السندباد أيضا في مغامراته وعندها اصبحوا المغامرون الثلاثة الذين واجهوا  العَديدَ من المَصاعِبِ خلال رحلاتهم ، بعضها مع المشعوذين بولبا والعجوز ميساء، إلا أن السندبادَ ورفاقه كانوا  في كلّ مرةِ يُواجهونَ فيها المصاعبَ ، كانوا ينتصرون في كلّ مغامرةٍ بذكاءِ سندباد وحكمة علاء الدين، وإقدام وشجاعة علي بابا ، عندها ينتصرون على الشرِ، و كذلكَ استطاعوا من الانتصار على المشعوذين بالإضافة الى انتصارهم على زعيمهم الجني الأزرق وتابعته الشريرة، المرأة التي لها ظِلُ بقرة.

وعملَ السندبادُ ورفاقه من خلالِ مغامراته على فَكِ السحر الذي عمله المشعوذون على ياسمينة ووالدها الذين كانوا من الملوكِ الذينَ يَحكمون بلداً آخر، عادوا  الى شكلهم الطبيعي، وعملَ السندبادُ ورفاقه من خلال مغامراته على انقاذِ الاشخاص الذي عمل الزعيمُ الأزرق على تحويلهم إلى حجارةٍ ، ومن بين الاشخاصِ الذين حَولهم الى حجارة هم والديّ السندباد وعمه علي، ومع جميع النصر الذي حَقَقهُ السندباد ورفاقه استمر في المغامراتِ وسافرَ من جديدٍ مع علي بابا وعلاء الدين ،بحثاً عن المغامراتٍ جديدةٍ .

في كلِّ حلقةٍ من حلقاتِ مُسلسل السندباد توجد مغامرة، التي يواجه فيها السندباد وياسمينة اخطاراً ومصاعباً عليهم اجتيازها. وانضمَ الى مغامرات السندباد وياسمينة في الحلقة 19 اي المغامرة 19 علي بابا ثم انضمَ الوالي علاء الدين في الحلقة رقم 23 فهو صاحب رواية المصباح السحري الشهيرة الذي شارك سندباد و ياسمينة وعلي بابا في المغامرات.

الاميرة النائمة

 

كان يا ما كان في قديم الزمان ملك وملكة يعيشان في قصر ، وتمنيا أن يرزقهما الله بطفل أو طفلة ، وبعد عدة سنوات رزقهما الله بطفلة جميلةٍ جداً ، فأقام الملك احتفالاً بمناسبة ولادة طفلته الاميرة ، ودعا الملك على هذا الحفل الجنيات السبع ، وكل جنية تمنت أمنية لهذه الاميرة الطفلة ، تمنت الجنية الاولى بأن تكون الاميرة افضل جنية بالعالم ، والجنية الثانية تمنت بأن تملك الاميرة عقل ملاك ، وتمنت الجنيةً الثالثة أن تكون الاميرة رشيقة ، والجنية الرابعة تمنت أن تكون الاميرة راقصة ، والخامسة تمنت أن يكون صوت الاميرة جميلاً بالغناءِ ، والسادسة تمنت أن تكون الاميرة ماهرةً بالعزف على الآلات ، وعندما بدأت الجنية السابعة بالتمني دخلت الجنية العجوز الى القاعة والتي لم يدعوها الملك الى الحفل ، ولشدة غضبها من عدم دعوتها الى هذا الحفل تنبأت بموت الاميرة عندما يصبح عمرها 16 عاماً بسبب وخزة بإصبعها من الة الغزل ، ثم اختفت الجنية العجوز وانقلب حال القصر الى بكاء حزناً على مستقبل الاميرة الصغيرة .

وفي هذا الحال تدخلت جنية طيبة وقالت للملك وزوجته أن الاميرة لن تموت ولكنها ستنام 100 عام ، قام الملك بجمع جميع الات الغزل في المملكة وقام بحرقها حتى يطمأن قلبه ، وعندما أصبح عمر الاميرة 16 عاماً وكانت تلهو مع كلبها المدلل في حديقة القصر سمعت صوتاً في أعلى البرج فذهبت نحو الصوت ، ووجدت عجوزةً جالسةً مع آلة غريبة فسألتها ما هذه الالة  ؟

 فقالت لها العجوز انها آلة غزل ، وقالت للأميرة جربيها بنفسك ، وعندما مسكتها الاميرة وخزتها ابرة الالة وسقطت على الارض، وكانت هذه العجوز هي الجنية العجوز.

حزن جميع من في القصر ، وقالت الجنية الطيبة أنها ستجعل كل مَن في القصر ينامون مع الاميرة حتى لا تفزع الاميرة بعد 100 عام عندما تستيقظ من نومها ، وأن من سيوقظها أمير وسيم .

أصبح القصر مخيفاً، ولا يدخله أحد ، وبعد 100 عام مر من جانب القصر أميرٌ وسيمٌ وسأل رجل عجوز عن القصر ، فقال له العجوز أن هذا القصر يسكنه تنينٌ ولا يجرؤ أحد على دخوله ، فدخله الامير و وجده مليئاً بالأعشاب والاشجار العملاقة ، وعجز عن تخطيها ، وفي هذه الاثناء ساعدته الجنية الطيبة وأعطته سيفاً لكي يقطع الاشجار ولكي يقتل التنين ، وبعد أن قطع جميع الاشجار ظهر للأمير التنين الضخم ، وتعارك معه الامير وقتله ، وكان هذا التنين هو الجنية العجوزة الشريرة ، وبعد ذلك رأى الامير الوسيم الاميرة النائمة وأعجب بجمالها وقبلها من جفونها فاستيقظت الاميرة واستيقظ جميع من في القصر .

عندما استيقظ الجميع شكر الملك الامير الوسيم على فعلته وقال له ماذا تريد مني شكراً على ما فعلته ، قال الامير للملك أني أريد أن اتزوج من ابنتك الاميرة ، ووافق الملك ، وقام حفلاً كبيراً بمناسبة زواج ابنته الاميرة من الامير الشجاع ، وعاشا الاميرين حياة سعيدة جداً .

القطة المتحيرة

في كثيرٍ من المرّات كانت القطة لولي تنظر إلى المرآة ولم يكن يعجبها شيء، كانت تتذمّر دائماً من شكلها الذي لا يعجبها، وكانت دائمة المراقبة للحيوانات الأخرى، فمرّة تحلم أن تطير مثل الطائر، ومرة تحلم أن تسبحَ مثل السّمكة، ومرة أن تقفز مثل الكنغر، وفي إحدى المرات كانت تراقب البطات من حولها وهنَّ يسبحن على سطح الماء، فأحبت أن تكون بطة تجيد السباحة... ولكن هذا القناع لم يساعدها على أن تصير بطة حقيقية أو أن تسبح مثل باقي البطّات، ثم رأت أرنباً يقفز بسرعة ويأكل الجزر بأسنانه الكبيرة، أحبت تلك القفزات الطويلة فقررت أن تصير أرنباً، ولكن تلك الآذان الطويلة لم تُسهّل عليها عملية القفز والجري بل على العكس زادت الطّين بِلّة، وأثناء عودتها للمنزل وهي تتذمر رأت قطيعاً من الخرفان، فأحبت شكلها المستدير بصوفها الكثيف، فقررت أن تصير خروفاً جميلاً، ولكن بعض الصّوف على جسدها لم ولن يجعلها خروفاً حقيقياً وأخيراً، كان القرار الأخير هو الأغرب


أثناء تجوالها في أحد البساتين رأت بعض الفاكهة، فوصل طَمَعُها برغبتها أن تصير فاكهةً لذيدةً برائحةٍ طيبةٍ، فوضعت بعض قشور الفاكهة على رأسها، واستغرقت من تعبها في نومٍ عميقٍ، وفجأة شعرت كأن أحداً ما يُحرّكها من مكانها، نظرت نحو الأعلى، فرأت خرفاناً من حولها تفتح فاها محاولةً أكلها ظانّةً إياها نوعاً لذيذاً من الفاكهة، وما إن أدركت القطة هذا حتى خلعت القناع وفرّت هاربة مذعورة وهي تقول: أنا محظوظة لأنّي قطةٌ أستطيع الهرب بسرعة ولم أكن فاكهةً أو أيَّ شيء آخر، ثم عادت إلى بيتها وهي مسرورة 

الصديقان

كان هناك صديقان يعيشان في قريةٍ صغيرة قرب مدينة التاج يدعيان سمير و أحمد، فهما صديقان منذ الطفولة ، ويدرسان في إحدى الكليّات مع بعضهما البعض، وكانت هذه الكليّة بعيدة عن مكان إقامتهما، وكان عليهما عبور النّهر والتلال والمرور فوق مناطقٍ رمليّة ليتمكّنا من الذّهاب للكليّة معاً

في إحدى الأيّام الماطرة تعيّن على سمير و أحمد المشي للكلية  كالمعتاد، وفي طريقهما كانا يتناقشان حول ما أخذوه عن النظريّة الذريّة في الكليّة. واختلفا في وجهات نظرهما، ممّا أدّى إلى حدوث نقاشاتٍ حادّة بينهما حتّى وصلت إلى استخدام اللغة السوقيّة البذيئة. وفي نوبة غضب صفع سميرُ أحمداً، فانصدم سمير من صديقه وغضب وكتب على الرّمال" اليوم أعزّ أصدقائي صفعني"، ثمّ أكمل كلّاً منهما المشي نحو الكليّة بصمتٍ واضح


أثناء طريقهما وصلا إلى النّهر الّذي كان يفيض بالماءِ، وكان عليهما عبوره، سار أحمد نحو النّهر وهو يعلم بأنّه لا يجيد السباحة، بدأ يغرق، ومع قوّة تدفّق المياه والفيضان شعر كأنّ النهر سيأخذه بلا رجعة 


رأى سميرٌ صديقه يغرق ومن دون تفكير قفز في النّهر لينقذه، واستطاع سحبه، وساعده على استعادة أنفاسه بشكلٍ طبيعيّ. وعندما تعافى أحمدُ ونهض كتب في طريقه إلى التلّة: "اليوم أعزّ أصدقائي أنقذ حياتي"


فتعجّب سميرٌ وسأل صديقه: لماذا كتبت على الرّمال عندما صفعتك؟ و لماذا كتبت على التلّ عندما أنقذت حياتك؟ أجاب أحمد: علينا يا صديقي أن ننسى الخطأ الّذي يقوم به أحدنا للآخر، وأنا قمت بالكتابة على الرّمل لأنّ الكلام سيُمحى في أيّ وقتٍ من الأوقات، ولكن إن فعل أيّ صديقٍ لصديقه شيئاً جيّداً عليه أن يتذكّر له ذلك ويكتبه على الحجارة ليبقى للأبد. عندها احتضن سميرُ أحمداً، وأكملا طريقهما إلى الكليّة وكأنّ شيئاً لم يحدث

الفيل الحزين

كان هناكَ فيلٌ ضخمٌ يسير فى الغابة وحيداً حزيناً شارداً بخطوات بطيئة متثاقلة  ، بينما يشاهدُ الطيور وهى تحلق في السماء بحرية وسعادة والحيوانات الرشيقة السريعة مثل الظباء والخيول والنعامة والحُمر الوحشية، وكلما شاهد مَرَحَهلُم وهم يركضون ويلعبون ، عندها شعر بالضيق والحزن لأنه الوحيد الذي لا يستطيع الطيران فى السماء أو الجري سريعاً فى أراضي الغابة الشاسعة. ففكر فى حيلة يستطيع بها الطيران ، ولكن كيف وهو ثقيل الوزن فوقف فوق أضخم وأقوى شجرة فى الغابة وربط أقدامه بأجنحة مصنوعة من ريش الطيور، وقفز ظناً منه أن الهواء سيحمله، ولكنه سقط على الأرض وفوقه أغصان الشجرة التى سقطت بسبب ثقل جسده فضحكت منه الحيوانات والطيور بينما جلس هو حزيناً مكتئباً. وأثناء سيره فى الغابة نصحته البومة الساحرة أن يأتي إليها فى كهفها كي تجد له حلاً بسحرها على أن يحضر لها الكثير من الطعام، فذهب إليها بالطعام الذى طلبته، وطلب منها أن تحوله إلى ظبي رشيق، فضربت على جسده السمين بعصاها السحرية فتحول إلى ظبيٍ رشيقٍ جميل فجرى وفرح طرباً وأخذ يغني أنا ظبي .. فى منتهى الرشاقة .. إنه يوم جميل وقد أصبحت ظبياً. ثم يجري ويمرح فى أرجاء الغابة والحيوانات يتساءلون عن غياب الفيل الضخم وهو ينظر إليهم ضاحكاً، حتى تتبعه نمرٌ جائعٌ ، فأخذ المسكين يجري هرباً من النمر .. ويجرى بأقصى سرعة حتى وصل إلى الكهف الذى تعيش فيه البومة الساحرة فسألته فى دهشة؟ ما الأمر أيها الظبي؟ فأجابها فى خوف: أنا لست ظبياً بل أنا الفيل .. انقذيني الآن وحوليني إلى نمر كي لا يأكلني أى حيوان مفترس فنظرت إليه قائلة: حقا  ؟ ! سأفعل .. وضربت بعصاها السحرية على جسده فحولته من ظبي إلى نمرٍ فجرى مسرعاً سعيداً بتحوله الجديد وأخذ يغني أنا نمر .. أنا نمر قوي وشجاع ..أخيف الحيوانات ..ولا أحد يخيفني... حتى وجد الصيادين يتتبعونه قائلين نريد جلد النمر الرائع، فسمعهم وأخذ يجري مسرعاً حتى وصل إلى كهف البومة الساحرة، فوجدت نمراً ففزعت منه أول الأمر فطمأنها قائلاً: أنا الفيل .. أرجوك أريدك الآن أن .... تحولينني إلى أسد .. إلى ملك الغابة .. البومة: أمرك ... وضربت بعصاها السحرية على جسده فتحول إلى أسد ففرح جدا ًبهذا التحول الجديد وأخذ يغني أنا أسد .. أنا ملك الغابة ويزأر ويخيف بصوته حيوانات الغابة .. حتى وجدَ أسداً آخر يتجه ناحيته ثم ينهره قائلاً له: أنا ملك الغابة وليس أنت ، واعلم أن عليك إما الرحيل الآن في هدوء أو نتقاتل حتى أقتلك .. وأتخلص منك. فآثر السلامة ومشى فى هدوءٍ ولكنه كان حزينا يشعر بالخيبة حتى وجد نفسه فى شبكة الصيادين .. فسألهم في دهشة: ما هذا ..هل تريدون جلد الأسد ؟  فأجابه أحدهم: لا ولكننا نريد أن نأخذك إلى حديقة الحيوانات.. ونضعك فى قفص الأسود. ففزع للأمر قائلاً: ماذا .. تضعونني في قفص ولكنني لست أسداً .. أنا فيل.. فضحك الصيادون منه وتركوه حبيساً فى الشبكة يواجه مصيره، حتى وجد فأراً صغيراً يقرض الشبكة فهرب مسرعاً .. بعد أن شكر الفأر وذهب إلى البومة الساحرة ففزعت أول الأمر عندما رأته فطمأنها قائلاً: أنا الفيل فلا تخافي .. فسألته فى دهشة: وماذا تريد لقد تعبتني .. هل تريد أن تتحول إلى حيوانات الغابة كلّها .. المرة القادمة .. سيكون لي أجر كبير. فأجابها: لا ولكن هذه المرة .. هي المرة الأخيرة .

البومة فى دهشة: وماذا تريد أن تتحول هذه المرة؟ أجابها قائلاً: إلى فيل فسألت فى دهشة: نعم؟ ولكنك سخطت على طبيعتك من قبل. الفيل موضحاً لها الأمر: ولكنى الآن أعرف قيمتها..و أريد أن أعود إليها .. ولن أسخط عليها أبداً بعد ذلك.. إنها طبيعتي التى خلقني الله عليها وإني أحبها كثيراً الآن. فأرجعته البومة الساحرة إلى صورته الأولي ففرح جداً وأخذ يغني وحيوانات الغابة ينظرون إليه في دهشة لأنهم يرونه لأول مرة سعيداً ومبتهجاً أنا فيل .. أنا فيل

السمكات الثلاث

في إحدى البحيرات كانت هناك سمكة كبيرة ومعها ثلاث سمكات صغيرات، أطلّت إحداهنّ من تحت الماء برأسها، وصعدت عالياً، فرأتها الطيور المحلّقة فوق الماء، واختطفها واحد منها، ثمّ التقمها، وأصبحت غداءً له! ولم يتبق مع الأمّ إلا سمكتين! قالت إحداهما: أين نذهب يا أختي؟ قالت الأخرى: ليس أمامنا إلا قاع البحيرة، علينا أن نغوص في الماء إلى أن نصل إلى القاع! وغاصت السّمكتان إلى قاع البحيرة، وفي الطريق إلى القاع وجدتا أسراباً من السّمك الكبير المفترس! أسرعت سمكة كبيرة إلى إحدى السّمكتين الصغيرتين، فالتهمتها وابتلعتها، وفرّت السّمكة الباقية. إنّ الخطر يهددها الآن في أعلى البحيرة وفي أسفلها! في أعلاها ستقوم الطيور المحلقة بالتهامها، وفي أسفلها يأكل السّمك الكبير السّمك الصّغير! فأين تذهب؟ ولا حياة لها إلا في الماء! لقد ولدت فيه، وبه نشأت. أسرعت إلى أمّها خائفةً مذعورة‍ً، وقالت لها:" ماذا أفعل يا أمّي؟ إذا صعدت اختطفني الطير‍‍‍‍‍‍‍‍‍! وإذا غصت ابتلعني السّمك الكبير! "، قالت الأمّ:" يا ابنتي إذا أردت نصيحتي فإنّ خير الأمور الوسط! ".

الديك الشجاع

خرج الدّيك مع أولاده الكتاكيت الصّغار للبحث عن طعام، فرح الصّغار بالنّزهة الجميلة بصحبة الدّيك، فالدّيك شكله جميل ويلفت النّظر، والحيوانات تحبّه لأنّه مُسالم. قام الذّئب الشرير بتتبع الدّيك والكتاكيت، وهو يترقّب فرصةً لخطف كتكوت صغير، كان الذّئب الشرير  يخاف من الدّيك. قال الديكُ: يا أولادي، لا تذهبوا بعيداً عنّي حتى لا تتعرضوا للخطر، لكنّ الكتكوت فوفو لم يسمع كلام أبيه، ذهبَ بعيداً ولم ينتبه له الدّيك، فانتهز الذّئب الشرير هذه الفرصة، وانقضّ على الكتكوت ليأكله، لكنّ الدّيك شعر بأنّ خطراً ما يداهم ابنه، فبحث عنه، وجده بين يدي الذّئب، الدّيك لم يتكلم، لكنّه هجم على الذّئب، واستخدم منقاره ومخالبه، الذّئب الشرير خاف وهرب، ثمّ عاد الكتكوت فوفو إلى إخوته فخوراً بأبيه الدّيك. قام الدّيك بتحذير ابنه من الابتعاد عنه مرّةً ثانيةً، فخجل الكتكوت من نفسه، ووعد بأن يسمع كلام أبيه، والذّئب علم بوعد الكتكوت لأبيه، فقرّر ألا يهاجمه مرةً أخرى، والكتاكيت الصّغيرة أصبحت عندما تخرج لا تبتعد عن بعضها، والذّئب الشرير كان حزيناً جدّاً، فقد علم أنّ وحدة الكتاكيت ستمنعها منه، فقرّر مغادرة الغابة للبحث عن كتاكيت جديدة 


الفأرة الرمادية

 

خرجت الفأرةُ الرماديّةُ من جُحرِها، ثمّ ركضَتْ نحوَ المطبخِ ، ولكنّها لمْ تكدْ تقترب من الباب حتى وجدت الهرَّ " فلفل" نائماً هناك، فتراجعت مذعورةً، ولم تدرِ إلى أين تذهب، فقد شعرت بالجوع..‏

كانت غرفة المكتبةِ مفتوحةً على مصراعيها فقفزت الفأرة الرماديّة سريعاً، وجدت نفسها بين رفوف الكتبِ والمؤلّفات والمعاجم والقصصِ والمجلاّت..‏

بدتِ الصفحاتُ لذيذةً هشّةً، والفأرةُ تقرضُ أطرافها.. ضحكتْ وقالتْ لنفسها:‏

- كم يتعبُ الإنسانُ في تأليفِ الكُتُبِ، وكم يُجهدُ نفسه في سبيل إخراجها ونشرها ! وها أنذا هُنا أَقْرضُها بهدوءٍ..‏

بدأت الفأرة الرماديّةُ بكتابِ الجغرافية، قَرَضَتْ بعضَ صفحاته، حدّثتْ نفسها:‏

- الجغرافيةُ ضروريةٌ، علمُ البلدان ومعرفةُ الأوطان، الخرائطُ والمصوّرات، البحارُ والمحيطات.. كلُّها مفيدةٌ.. ها.. ها.. ها..‏

انتقلتْ إلى ديوان شعر..‏

- وهذه الأشعارُ، والكلماتُ المختارةُ، والأفكارُ المحلقةُ محطّةٌ للاسْتراحَةِ..‏

وقَرَضَتْ صفحتين مِنْهُ..‏

ثمَّ تحوّلتْ إلى قصّةٍ مُلوّنةٍ..‏ هذه حكايةٌ مُمتعةٌ، ما ألذّها‍‍‍‍ ، انظروا إلى هذا الولَدِ الذي يركض وراءَ الأرنبِ، قميصُه الأحمرُ غير ملوّثٍ، وكفّاهُ غيرُ ملطّخَتْين بالحبْر، يبدو أنّه مجتهدٌ في دروسِه، لأنّه لم يتركِ الكتابَ منْ يدهِ، يحبُّ النظافةَ والترتيبَ.. ها .. ها .. ها.. وكركرتْ ضحكتُها..‏

كانت الفأرة تقومُ بمهمَّتها بنشاطٍ وحيويّةٍ، تقرضُ وتقرضُ وهي تغنّي بين الصّفحات المرتجفةِ الخائفة:‏

ما أسعدَني، ما أسعدَني !‏

دِفءُ الأوراقِ يُصاحبني‏

والّليل الهادئُ يعرفُني‏

هذه الصفحات تُكركرني‏

ما أسعدني، ما أسعدني!..‏

وحينَ تركتِ الرفَّ الأخيرَ، قفزتْ إلى المنضدةِ المستديرة في وسطِ غرفةِ المكتبة. وكان هناك بعضُ مجلاّت الأطفالِ، وبعضُ الكتب، فتوقّفتْ تقلّبُ صفحاتها وهي ما زالتْ تغنّي وتضحكُ، ولم تُسمعْ في البيت الهادئِ إلاّ دقّاتُ الساعةِ في الصّالةِ..‏

فتحَ الهرُّ" فلفل" عينيه، ورفعَ أذنيه، كانتْ هناك خشخشةُ أوراقٍ وصوتُ غناءٍ، وضحِكٌ، وكركرةٌ؛ تلفّتْ يمنةً ويسرةً، فلم يجدْ شيئاً، غير أنَّهُ شمَّ رائحةَ الفأرة الرمادية، فسار على رؤوس أرجلهِ بخفّة ورشاقةٍ حتى أصبح أمام غرفةِ المكتبة...‏

كانت الفأرة قد بدأت تحكَّ أنفها بصور مجلّة الأطفال، وقد أثارتها الصفحاتُ الزاهيةُ والصّورُ الملوّنة.. صارت تُدغدغُ رأسَها وأذنَيها، وتُمرّغُ فمها وهي تغنّي..‏

ما أسعدني ما أسعدني!‏

عالمةً صرتُ مدى الزمنِ‏

دِفءُ الأوراقِ يُدغدغُني‏

والليلُ الهادئ يغمرُني‏

ومجّلةُ طفلٍ تعرفني‏

 والصورُ الحلوة تسحرُني‏

ما أسعدني، ما أسعدني!‏

رفعت الفأرة رأسها عالياً، وفتحت ذراعيها ثم قالت:‏

- أنا، الآن، فعلاً، عالمةٌ بكلّ شيء، لقد اكتسبتُ كثيراً من المعارف والعلوم، صرتُ أفهمُ في الجغرافية، صرت أعرفُ الأشعارَ والقصائدَ، وها أنذا ألتهمُ القصصَ والحكايات..‏

سمع القطُّ" فلفل" ذلك.. وبقفزة واحدة صار أمامها. تماماً فوق المنضدة، نظرت الفأرة الرمادية إليه برعبٍ، وقد اهتزّ ذيلها كأنّما مسّهُ تيارٌ كهربائيّ..‏

كشف" فلفل" عن أسنانه البيضاء النّاصعة، وبدا شارباه جميلين وهو يقول:‏

- سأكونُ أكثرَ علماً منك، وأكثر معرفةً لو التهمتك على الفور يا مغنّيتي الظريفة، ذاتَ الصوتِ السّاحر..‏

لكنّ الفأرة الرمادية، التي أحبّت مجلاّت الأطفال كثيراً، قفزت بعيداً عن القطّ " فلفل" واختبأت بين صفحاتها، ثم.. اختفتْ!!‏

قلّب" فلفل" كلَّ مجلّةٍ صفحةً صفحةً، بحثاً عنِ الفأرة المغنّية، فلم يعثر لها على أثرٍ.. قرأ الصفحاتِ ودقّقَ في زواياها وصُوَرِها، ولكنّه لم يجدْ شيئاً..‏

ولايزال" فلفل" ينتظرُ، صدورَ كلّ مجلّةٍ للأطفالِ. في كلِّ أسبوعٍ أو في كلِّ شهرٍ، لعلّهُ يعثرُ على الفأرةِ الرماديةِ المغنّية، ولايزالُ البحثُ جارياً..‏

الدجاجة وحبة القمح

يحكى ان في قديم الزمان كانت هناك دجاجة صغيرة حمراء تعيش مع بعض الحيوانات في احد المزارع ، وذات يوم كانت الدجاجة تسير فوجدت حبات من القمح.

 أخذتها وذهبت بها الى المزرعة وقالت للحيوانات : من منكم يريد مساعدتي في زرع حبات القمح هذه ؟  ضحك منها الجميع ورفضوا مساعدتها قالت الدجاجة حسنا سوف ازرعها لوحدي.

 قامت الدجاجة واخذت حبات القمح وزرعتها وكانت تذهب الى الحقل وتعتني بالزرع حتى حان حصاده .

وبعد ان كبر الزرع قالت للحيوانات : من منكم يريد مساعدتي في حصاد القمح ؟

 رفضت الحيوانات مساعدتها ،  فحصدت القمح بنفسها.

ثم قالت :من منكم يريد ان يساعدني في حمل القمح الى الطاحونة لكي يصبح دقيقا ؟

  ولكن الحيوانات كلها رفضت مساعدتها فقالت الدجاجة الصغيرة الحمراء، انا سأحمله لوحدي،  ثم حملته وذهبت به الى الطاحونة .

 وبعد ذلك طلبت من الحيوانات ان يساعدوها في حمله الى الخباز ولكنهم رفضوا   مساعدتها ، فحملته وذهبت به الى الخباز فصنعه خبزا .

 فذهبت الدجاجة الصغيرة الحمراء بالخبز الى المزرعة ثم وقفت وقالت للحيوانات : من منكم يريد مساعدتي في أكل الخبز  ؟  فتسارعت الحيوانات اليها وكلهم قالوا : نحن جميعا نود مساعدتك ، لكن الدجاجة رفضت وقالت: الان تريدون مساعدتي لا لا لا لا لا لن يأكل الخبز غيري ولن يساعدني  أحد في أكله ،  فالجزاء من جنس العمل .

البُستاني و الثّعلبُ

 يُحكى أنّ بُستانيًّا كان له بستانٌ يعتني بأشجارهِ كلّ يومٍ ، يسقيها ، يقلّم أغصانها ،و يقلع الأعشاب الضّارة المحيطة بها ، نَمَتْ أشجار البستان و أثمرتْ ، فتدلّتْ أغصانها ، و ذات مساءٍ مرّ بالبستان ثعلبٌ جائع رأى ثماره الناضجة فسال لعابه و اشتهى أن يأكل منها لكن كيف يدخل البستان ؟ كيف يتسلّق هذا السّور العالي؟

 بقي الثعلب يدور حول السّور ، حتّى وجد فتحة في أسفله ، فنفذ منها بصعوبة ، و بدأ يأكل الفواكه حتّى انتفخ بطنه ، و لمّا أراد الخروج لم يستطع

قال في نفسه : أتمدّدُ هنا كالميّت ،و عندما يجدني البستانيّ هكذا ، يرميني خارج السّور ، فأهرب و أنجو.

جاء البستانيّ ليعمل كعادته ، فرأى بعض الأغصان مكسّرة

و القشور مبعثرة ، عرف أنّ أحدًا تسلّل إلى البستان.


فأخذ يبحث حتّى وجد ثعلبًا ممدّدًا على الأرض ،بطنه منفوخ ، و فمه مفتوح ، و عيناه مغمضتان.

قال البستانيّ : نلتَ جزاءك أيّها الماكر  ، سأحضر فأسًا ، و أحفر لك قبرًا كي لا تنتشر رائحتك النّتنة . خاف الثعلب فهرب و تخبّأ ، و بات خائفًا  ، و عند الفجر خرج من الفتحة الّتي دخل منها  ،ثمّ التفت إلى البستان و قال : ثمارك لذيذة و مياهك عذبة ، لكنّي لم أستفد منك شيئًا  ،دخلت إليك جائعًا ، و خرجت منك جائعًا ، و كدت أن أدفن حيًّا .

 

البنتُ والذبابة

 

يُحكى أن بنتاً صغيرةً كانتْ تعملُ في بيتِ القاضي ، تنظِّفُ الأرضَ وتطهو الطعامَ

وعندما انتهتْ ذاتَ يومٍ من عملها أعطاها القاضي درهماً واحداً، ومع أن الأجرَ كان قليلاً، فقد أخذتْه وانصرفت في المنزلِ، قالتْ البنتُ لأُمِّها:‏ القاضي أعطاني درهما واحداً.

 قالتِ الأمُّ:‏ تستحقينَ أكثرَ من ذلك.

 قالتِ البنتُ:‏ ولكنِّي ذهبتُ إلى الدكانِ واشتريتُ دبسا‏

 الام : حسناً فعلتِ

 البنت :  وقد وضعتُ إناءَ الدبسِ في الشبَّاكِ

 الام : بنتٌ مدبرةٌ

 البنت : وقد غطيّتُ الدبسَ بالغربالِ حتى لا تأكلُهُ الذبابة‏

الام : خيراً صنعت .

نامتِ البنتُ تلك الليلةَ نوماً هنيئاً، وفي الصباحِ نهضتْ وغسلتْ وجهَهَا ويدها وجلستْ جانبَ الجدارِ تستمتعُ بأشعَّةِ الشمسِ. لكنَّها بعد ساعةٍ أحسّتْ بالجوعِ فنادتْ أُمَّها وقالتْ:‏ أنا جائعةٌ يا أُمي. سأحضرُ الخبزَ والدبسَ لنتناولَ الفطورَ.

 مضتِ البنتُ إلى الشبَّاكِ، ورفعتْ الغربالَ عن الوعاءِ فوجدتِ الذبابةَ قد دخلتْ من ثقب الغربالِ، وأكلتِ الدبسَ  .

 فحزنتْ وقالتْ لأُمها:‏ الذبابةُ أكلتِ الدبسَ

 قالت الأمُّ:‏ ظالمةٌ معتديةٌ‏

البنت : سأذهبُ وأشكوها إلى القاضي‏

 الام : حقَّكِ تطلبين

 وانطلقتِ البنتُ إلى المحكمةِ وقالتْ للقاضي:‏ أنتَ تعلمُ أنني بنتٌ صغيرةٌ

 قالَ القاضي:‏ ستكبرين‏

 البنت : وأسكنُ مع أُمي بيتاً من طينٍ

 القاضي : أنتِ وأُمكِ بالقليلِ تقنعينِ‏

 البنت :واشتريتُ بدرهمٍ دبساً للفطورِ

 القاضي : حلواً تأكلين‏

 البنت : ثم وضعتُهُ في إناءٍ ووضعتُ الإناءَ في الشباك وغطيتُهُ بالغربالِ

 القاضي : نِعْمَ ما تدبّرين‏

البنت : في الصباحِ أحسستُ بالجوع

 القاضي : دبساً تُحضرين

 البنت : لكنني وجدتُ الذبابةَ قد التهمتِ الدب

    القاضي : معتديةٌ وظالمةٌ تأكلُ حقَّ الآخرين

 البنت : لذلكِ جئتُ أطلبُ إنزالَ العقابَ بالذباب‏

 فكَّرَ القاضي طويلاً... إنها مسألةٌ صعبةٌ... ثم أمسك القلمَ  ، وأخذ ينظرُ في الأوراقِ، وبعد فترةٍ من التفكيرِ قالَ:‏ يا بنتُ يا صغيرةُ‏

أجلْ يا قاضيَ البلدِ

  القاضي : إنْ رأيتِ ذبابةً فاقتليها

 انزعجتِ البنتُ من هذا الحكمِ الذي لا يؤذي الذبابةَ ولا يُرجع لها حقها، فظلّتْ واقفةً أمامَ القاضي. تنظرُ إلى ملامحهِ الجادَّةِ الجامدةِ، فرأتْ ذبابةً تحطُّ على أَنفهِ من دون أن يتحرَّك... عندئذٍ قرَّرتْ تنفيذَ الحكمِ في الحالِ، فأمسكتْ منديلها وضربتْ به الذبابة. فانتفضَ القاضي مذعوراً، ونَهَرَها قائلاً:‏ ماذا فعلتِ يا بنتُ يا صغيرة ؟

 فردَّتْ مبتسمةً:‏ نفذتُ حكمَكَ، وقتلتُ الذبابةَ أيها القاضي .

الغني الجاهل

 

كانَ أحدُ الأغنياءِ ينزعجُ   كثيراً حينَ تغربُ الشمس مختفيةً وراءَ التلِ ، وكان يصيحُ:‏

ـ لم ينتهِ بعدُ حصادُ حقلي، وها هي الشمسُ الملعونة تغادر السماءَ ويتوجهُ المزارعون نحوَ القريةِ.‏

و اتخذ الغني قراراً جريئاً: ذهبَ في اليومِ التالي إلى بيته ظهراً وأحضرَ من مخزنِ البيتِ شبكةً لصيدِ السمكِ، ومضى مُسرعاً إلى التلِ البعيد الذي تختفي الشمسُ وراءه مساءً.‏

نَمتْ فوقَ ذلك التلِ شجرتان  كانَ الغنيُ وكلُ الناسِ يرونَ الشمسُ تمرُ بينهما كلَ يومِ.‏

ربطَ الغنيُ طرفَ الشبكةِ إلى إحدى الشجرتينِ ثمَّ بذلَ الكثيرَ من الجُهدِ وربطَ الطرفَ الثاني إلى الأخرى، ثم قال:‏

ـ هكذا، تماماً! لن تغربَ الشمسُ اليوم! سوف تتشابكُ أشعتها مع خيوطِ شبكتي وسيبقى المزارعون  يعملونَ طوال الليلِ في حقولي مستضيئين بضوئها.

عادَ الغنيُ إلى الحقلِ وراحَ ينتظرُ بفارغِ الصبرِ، أن يرى كيف ستعْلقُ الشمسُ في شبكةِ الصيد.‏ كان غنياً فعلاً، لكنه كان جاهلاً، فهل تستطيعُ شبكة أن توقفَ الشمس وتمنعها عن المسيرِ؟   اكتست الشمس بأضوائها القرمزية عينا الغني الأحمق،  واعتراه الخوف من تلك الأضواء. وقال:‏

ـ ويلاه، لقد أشعل الحريق الشبكة والشجرتين معاً!‏

لكنه لم يشعر باليأس بعد هذا الفشل.‏

 حَمَلَ ذاتَ صباحٍ سلسلةً حديديةً ثقيلةً ومضى، بلا ترددٍ، إلى ذلك التل الذي تُشرقُ الشمسُ من خلفهِ صباحاً.‏

مضى يمشي لا يتوقف والسلسلةُ الثقيلةُ فوقَ كَتِفه.‏

وظل يمشي ويمشي.‏

ثمَّ أرسلَ ابتسامةً من تحت شاربيه:‏

ـ حين تشرقُ الشمسُ سوف ألفُّ السلسلةَ حولها وأشدُها إلى صخرةٍ فلا تستطيعُ الغروبَ أبداً.‏

و مشى الغني ومشى، وحينَ بلغَ التلَ أدركَ أن الشمسَ قد ارتفعت كثيراً في السماء.‏

قال: وهو يعودُ أدراجه.‏

ـ لقد أفلتت مني، مرة أخرى، هذه الشمس الملعونة!‏

و جعله الفشل يشتعل غيظاً، ولكنه رأى الشمسَ تلمعُ في بحيرةٍ بين الجبالِ فصاحَ:‏

ـ آه، وأخيراً وقعت في يدي! سأخرجكِ الآن من الماءِ ، سأربطكِ بسلسلتي هناك على ذلك التل. ستضيئين لي ليلاً ونهاراً.‏

أرسلَ الغنيُ صرخةَ ابتهاجٍ عاليةٍ  وألقى بنفسهِ في المياهِ العميقةِ من فوقِ صخرةِ شاهقة.‏

لا  أعرفُ إن كان قد استطاعَ أن يربطَ الشمسَ أم لا، ولكن أحداً لم يسمعه بعد ذلك ولم يره أحد.‏

الثعلبُ المَخدوع

 

 أحَسّ الثعلبُ بسعادةٍ شديدةٍ فقد امتلأت معدته عن آخرها .

ما ألذّ تلك الوزة.. هكذا كان يقولُ لنفسهِ وهو يسيرُ بحذرٍ وسطَ الغابة،  فقد هربَ من أهل القرية بأعجوبةٍ بعد أن سرقَ تلك الوزة.

وفي الصباح سَمعَ الثعلبُ صوتَ بعضَ الفلاحينَ يتحدثونَ ويضحكون.. فكّرَ الثعلبُ قليلاً ثم قررَ أن يقتربَ ليعرفَ ما يقولون، ولكن دونَ أن يشعروا به، وبهدوءٍ شديدٍ اقتربَ منهم واختبأ خلفَ تلةٍ قريبةٍ .

سَمعَ الثعلبُ حديثَ الفلاحينَ فقد كانوا يتحدثونَ عن رجلٍ مُخادعٍ ويقولونَ إنه كالثعلبِ في مكره.

جَلسَ الثعلبُ بعدَ رحيلِ الفلاحين يُفكّر في حديثهم ويسألُ نفسه: لمَ وصفَ الفلاحون هذا الرجل بالثعلبِ. هل يُحبّون الثعلبَ فيصفونه به؟ .. وظلَ طوال الليل منشغلاً بهذا الحديث.

وفجأةً قال لنفسهِ نعم .. مؤكد أن الفلاحينَ يعلمونَ مدى ذكائي ولذلك يحبونني ويصفونَ بعضهم بي، ولو ذهبتُ إليهم لأكرموني وقدموا لي الطعام.

وفي الصباحِ ذهبَ الثعلبُ للقريةِ ، وسارَ في شوارعها يُلَوّحُ للناسِ بيديه ويبتسمُ لهم ونسي أنه بالأمس سرق الوزةَ منهم .. تَعجبَ الناسُ من ذلك الثعلب.

ثم أقبلوا عليه فظنهم سَيُرَحِبونَ به إلا أنهم أوسعوه ضرباُ بالعصي ، وقذفه الأطفال بالحجارة .. فأسرع هارباً والجروحُ تملأ جسده وهو يقول لنفسه: لقد خدعني تفكيري ونِلتُ ما أستحق جزاءً لسرقاتي..

يوم الشجرة

 

استيقظ طارق  متأخراً على غير عادته... وكان يبدو عليه الحزن. ولما سأل أمه عن إخوته ، قالت له انهم  ذهبوا ليغرسوا اشجاراً، اضطرب وقلق. قال:‏ ومتى ذهبوا يا أمي؟

 أجابت:‏ منذ الصباح الباكر .. ألم يوصوكم في المدرسة أنه يجب أن يغرسَ كلٌ  منكم شجرة ؟ ألم ينبهوكم إلى أهمية الشجرة‏؟

 قال :‏ نعم.. لقد أوصتنا المعلمة بذلك... وشرحت لنا عن غرس الشجرة في يوم الشجرة، أما أنا فلا أريد أن أفعل.

 قالت الأم بهدوء وحنان:‏ ولماذا يا صغيري الحبيب؟... كنت أتوقع أن تستيقظ قبلهم وتذهب معهم. لم يبق أحد من أولاد الجيران إلا وقد حمل غرسته وذهب. ليتك نظرت إلى تلاميذ المدارس وهم يمرون من أمام البيت في الباصات مع أشجارهم وهو يغنون ويضحكون في طريقهم لغرسها. إنه عيد يا بني، فلا تحرم نفسك منه.

  قال طارق وقد بدأ يشعر بالغيرة والندم: ‏لكن الجو بارد جداً يا أمي. ستتجمد أصابعي لو حفرت التراب، و قدميَّ أيضاً.

  أجابت الام :‏ ومعطفك السميك ذو القبعة، هل نسيته؟ وقفازاتك الصوفية ألا تحمي أصابعك؟ أما قدماك فما أظن أنهما ستبردان  وأنت تلبس حذاءك الجلدي المبطن بالفرو.

 صمت طارق حائراً وأخذ يجول في أنحاء البيت حتى وقعت عينه

 على التحفة الزجاجية الجميلة التي تحفظ صور العائلة وهي على

شكل شجرة، ووقف يتأملها‏.

 قالت الأم:‏ ألا تنظر إلى شجرة العائلة هذه؟ إن الأشجار كذلك

 هي عائلات... أم وأب وأولاد. وهي تسعد مثلنا إن اجتمعت مع

بعضها بعضاً وتكاثرت فأعطت أشجاراً صغيرة. إن الشجرة هي

الحياة يا بني ولولاها ما عرفنا الفواكه والثمار، ولا الظلال ومناظر

الجمال. إضافة إلى أننا ننتفع بأخشابها وبما تسببه لنا من أمطار، ثم

هل نسيت أن الأشجار تنقي الهواء وتساعدنا على أن نعيش بصحة

جيدة ؟

  صمت طارق مفكراً وقال: ‏حسناً... و أنا أريد أن أغرس

 شجرة.. فهل شجرتي ستصبح أماً‏ ؟

 أجابت الأم بفرح:‏ طبعاً... طبعاً يا بني. كلما كبرت ستكبر

شجرتك معك، وعندما تصبح أنت أباً تصبح هي أماً لأشجارٍ صغيرة

أخرى هي عائلتها، وستكونَ فخوراً جداً بأنك زرعتها‏.

 أسرع طارق إلى خزانة ثيابه ليخرج معطفه وقفازات. سأل أمه

بلهفة:‏هل أستطيع أن ألحق أخوتي والجميع ؟

 ضحكت الأم وقالت:‏ كنتُ أعرف أنك ستطلب مني ذلك... شجرتك

في الحوض أمام الباب في كيس صغير شفاف... و إنا كما تراني قد

ارتديت ثيابي. هيا بنا...

 وانطلق طارق مع أمه فرحاً يقفز بخطوات واسعة... 

 وهما يغنيان للشجرة... شجرة الحياة أنشودة الحياة

بين القلم والممحاة

 

قالت الممحاة  للقلِم يوماً ‏: كيف حالكَ يا صديقي؟‏.

أجابَ القلمُ بعصبيةٍ : لست صديقك!‏ اندهشت الممحاة وقالت: لماذا؟‏..

 فَرَدَ القلمُ: لأنني أكرهك.

‏ قالت الممحاة بحزن :ولم تكرهني؟

أجابها القلم:‏ لأنكِ تمحين ما أكتب.

  فردت الممحاة: أنا لا أمحو إلا الأخطاء .‏

 انزعج القلم وقال لها: وما شأنكِ أنت؟!‏.

 فأجابته بلطف: أنا ممحاة، وهذا عملي.

فرد القلم: هذا ليس عملاً!‏.

 التفتت الممحاة وقالت له: عملي نافع، مثل عملك. ولكن القلم

ازداد انزعاجاً وقال لها: أنت مخطئة ومغرورة .‏

 فاندهشت الممحاة وقالت: لماذا؟!.

 أجابها القلم: لأن من يكتب أفضل ممن يمحو......

 قالت الممحاة:‏ إزالةُ الخطأ تعادل كتابةَ الصواب. أطرق القلم لحظة، ثم رفع رأسه، وقال:‏ صدقت يا عزيزتي!‏

فرحت الممحاة وقالت له: أما زلت تكرهني؟‏.

 أجابها القلم وقد أحس بالندم: لن أكره من يمحو أخطائي.‏

 فردت الممحاة:وأنا لن أمحو ما كان صواباً. قال القلم:‏

 ولكنني أراك تصغرين يوماً بعد يوم!‏.

فأجابت الممحاة:لأنني أضحي بشيءٍ من جسمي كلما محوت خطأ. قال القلم بحزنٍ: وأنا أحس أنني أقصر مما كنت!‏

 قالت الممحاة تواسيه:‏ لا نستطيع إفادة الآخرين، إلا إذا قدمنا تضحية من أجلهم.‏ قال القلم مسروراً:‏

 ما أعظمك يا صديقتي،

وما أجمل كلامك . فرحت الممحاة، وفرح القلم، وعاشا صديقين حميمين، لا يفترقانِ ولا يختلفان.

اَلْمَدْرَسَة

  للشاعر أحمد شوقي

أَنَا اَلْمَدْرَسَة اجْعَلْني

كَأُمٍ لاَ تَمِلْ عَنِّي

وَلاَ تَفْزَعْ كَمَأْخُوذٍ

مِنَ الْبَيْتِ إلى السِّجْنِ

أَنَا المِصْبَاحُ لِلْفِكْرِ

أَنَا الْمِفْتَاحُ لِلذِّهْنِ

أَنَا الْبَابُ إلى الْمَجْدِ

تَعَالَ ادْخُلْ عَلَى الْيُمْنِ

غداً تَرْتَعُ في حَوْشِي

ولا تشبعُ من صحني

وأَلقاكَ بإخوانٍ

يُدانونَكَ في السِّنِّ

تناديهمْ بيا فكري

ويا شوقي ، ويا حسني

وآباءٍ أحبُّوكَ

وما أَنتَ لَهُمُ بابنِ

 

حوار الطفل والبحر

 

الطفل

أيها البحرُ الكبير                   أيها الماءْ الغزيرْ

 ماوراءَ الأُفقِ حَدِّثْ                فأنا طفلٌ صغيرْ
 

قد وقفتُ اليومَ قُرْبَ الشاطئِ الزَّاهي الرمالْ

أرقبُ الأمواجَ والأُفْقَ.. فَيرتاحُ الخَيال

وأَعُدُّ السّفُنَ المَلأى نساءً.. ورجال

وحُمولاتٍ من الشرقِ.. من الغرب.. ثِقالْ

وأُغنِّي.. وأقولْ:

أيها البحرُ الجميلْ

أيها الزَّاخرُ بالأسرار.. ذو القلب الكبيرْ

أنا أهواكَ.. وأَهوى                موجَكَ الشَّادي الغزيرْ

البحر

أنا.. ياطفلُ.. كنوزٌ                وعطاءٌ.. لا يُحَدُّ

أمنحُ الأسماكَ، واللُّؤلؤَ.. كنزاً.. لايُعَد

أصنعُ الغيمَ.. وتَسري            سفُنٌ فِيَّ.. وتَغدو

أَصِلُ الإنسانَ بالإنسان في حُبٍّ.. وأَشدو:

إنني الجارُ الكريمْ

إنني الجارُ الكريمْ

 

 

عش السنونو


مع الربيع عاد السنونو من رحلته الشتوية ، وحينما وصل إلى عشّه وجد فيه فراخ عصفورة

ابتسم ووقف على حافة العشّ، وسأل الفراخ

  أين ماما‏ ؟ 

الفراخ الصغيرة فتحت مناقيرها تُريد طعاماً فهي لم تفهم كلام السنونو

حسناً يا صغار  وطار السنونو فترة ثم عاد إلى العش بعد أن ملأ حوصلته بالطعام  ولكنه وجد أمّهم العصفورة تزقهم

صباح الخير يا عصفورة

طاب صباحك يا سنونو

قبل فترة وجدتُ صغارَكِ جياعاً فجئتُ بطعام لهم ألا تسمحين لي بزقّهم

أوه شكراً شكراً يا سنونو، لقد أطعمتهم الآن

تطلّعتِ العصفورةِ في وجهِ السنونو خجلةً، واستأنفت كلامها  أنا آسفة

يا سنونوما كنتُ أتوقّعُ أنكَ ستعودُ إلى ديارنا في هذا العام ومع هذا فسأعمل على نقل فراخي غداً إلى عشٍّ آخر

أوه ماذا جرىَ يا عصفورة‍‍ هذا عشُّكِ لا فرق بيننا، وصمتَ لحظةً ثم تابع لابأس لابأس أبقي في عشّي أما أنا فسأبني عشّاً‏

   آخر بجوارك ا . قالت العصفورة اذن سأساعدك ياسنونو أنا  وأصدقائي في بنائه 

 

الثعلبُ الماكر والسُّلحفاةُ اليقظةُ

 

 جاء وقتٌ جَفَّت فيهِ  ينابيع الغابةِ وأنهارُها حتّى كادت الحيوانات تموتُ عطشاً ، وفَجأةً عَثَرَ بعضُها على يَنبوعٍ صغيرٍ يسيلُ منهُ خَيْطٌ منَ الماءِ في جهةٍ نائيةٍ من الغابةِ ، فَتَجَمَعتِ الحيواناتُ حَوْلَهُ ، وقرّرَتْ أنْ تَعْمَلَ عَلى تعميقهِ وتوسيعِهِ , وأخَذَ كلُّ حيوانٍ يعمَلُ بِجِدّ واجتهاد ما عدا الثعلبَ الكسولَ الذي كان يعمدُ دائِماً لخِداعِ غيره مِنَ الحيواناتِ ، ليَحُلَّ محَلَّهُ ويقومَ بأعمالِ الحفْرِ عنهُ . ولما فَرَغتِ الحيواناتُ من تَحويلِ اليَنْبوعِ إلى بئر ، قررَّت أنْ تَتناوبَ على حِراسةِ البئرِ ليلاً ونهاراً، حتى لا يَقْربَهُ الثّعلبُ  الكسولُ ، الذي لمْ يتعاونْ مَعَها في العَمَل .

وفي أول ليلةٍ وقَعَ الإختيارُ على الأرنَبِ ليقومَ بالحراسةِ ، وانصرفتْ بقيةُ الحيواناتِ لِتستريحَ ، ولما رأى الثّعْلَبُ المكانَ وقدْ خلا إلا منَ الأرنبِ ، خرجَ مِنْ مخْبئهِ وتقَدّمَ منَ الأرنبِ وحيّاهُ في شوْقٍ مُصطنَعٍ ، فرَدَّ عليهِ الأرنبُ التَّحيةَ بأدبٍ ؛ وجلسَ الثّعلَبُ وتناول منْ سَلّةٍ كانتْ معَهُ قِطْعةً مِنَ الحلوى وجَعَلَ يأكُلُ منها ، ثمَّ استدارَ للأرانبِ وقالَ لهُ : " إني لا أعطَشُ أبداً لأنّي عندما آكُلُ هذا الطعام يا صديقي العزيز أستغني تماماً عن الماءِ ولا أعودُ أشْعُرُ بأي عَطشٍ " ؛ فتطَلّعَ إليه الأرنبُ ونَظَرَ إلى ما يأكلُ بفُضولٍ ؛ ورجاهُ أنْ يُعطيَهُ قِطْعَةً منْ هذا الطعامِ العجيبِ ليتذوّقَهُ ؛ فاستجابَ لهُ الثّعلَبُ على نَحْوٍ منَ الكَرَمِ ، ولكنّهُ لمْ يُعْطِهِ إلاّ قطعةً صغيرةً جدّاً من الحلوى ، وعليْها قليلٌ من العَسَلِ ، فاسْتساغَ الأرْنَبُ طَعْمَها، وَرَجا الثّعلَبَ بإلحاحِ أنْ يُعْطيَهُ قِطْعَةً أخرى، فقالَ لَهُ الثّعلَبُ الماكِرُ : لا بأسَ في ذلكَ يا عزيزي ، ولكن قبْلَ أنْ أعطِيَكَ ذلكَ ، أريدُ أنْ أنبهَكَ إلى حَقيقةٍ هامّةٍ، وهي أنّكَ إذا ما أكَلْتَ قِطْعَةً كبيرةً منْ هذهِ الحلوى اللّذيذةِ ، فإنّ لذّةَ  مَذاقِها  ستجعَلكَ تَفْقِدُ توازُنَكَ ، لذلكَ يَنْبَغي قبلَ أنْ أعطِيَكَ ما تُريدُ أنْ تربَطَ يَدَيْكَ  وقدَمَيْكَ حتّى تحْتَفظَ بتوازُنكَ ، فوافقَ الأرْنَبُ على ذلكَ ، وطَلَبَ منَ الثّعلبِ أنْ يُساعِدهُ ، فلمّا أوثقَ الخبيثُ كِتافَهُ ، استدارَ نَحْوَ السَّلّةِ فأعادَ الحَلوى إليها وَ نَزَلَ إلى الماءِ فَشَربَ حتّى ارْتوى ، ثُمَّ انصَرَفَ

وفي الصّباح أقْبَلَتِ الحيواناتُ إلى اليَنبوعِ ، فإذا بالأرْنَبِ موثَقُ الرّجلَين و اليديْن ,ولما سُئلَ عمّنْ فَعَلَ به ذلكَ ، قَصَّ الخِدْعَةَ الّتي أوْثَقَهُ فيها الثّعْلَبُ ، فتضايقتِ الحيواناتُ كثيراً ووصفتْهُ بالغباءِ و التهاونِ في الحِراسَةِ ، ووقَعَ اخْتيارُها على الحِمارِ لِيَقومَ بالحِراسَةِ مكانَهُ في الليلَةِ القادِمَةِ ، ولما انْصرَفَتِ الحيواناتُ عادَ الثّعلَبُ فاستطاعَ بحيلَتِهِ أنْ يوثِقَ الْحِمارَ وَيَنْزِلَ الماءَ ما أرادَ ثُمّ انصرفَ . 

وفي اليَوْمِ التالي تطوّعتِ السُّلحْفاة لِحِراسَةِ البئر ، ولمّا جاءَ الثعلَبُ على عادَتِهِ ، حَيّاها بدهاء ، ولكنّ السّلحفاة لم تَرُدّ التحيّةَ ، وبعدَ مُحاولات كثيرةٍ لإستدراجِها إلى الحَديثِ معَهُ دونَ جَدْوى ، قَرَّرَ ضَرْبَها وتَنْحِيتَها عن البئرِ ليأخُذَ حاجَتَهُ من الماءِ بالقوةِ ، ولمّا همَّ بذلكَ فَتحت السّلحفاةُ فَمَها وأطبَقَتْ على رِجلِهِ بأسنانِها الحادّةِ ، فما لَبِثَ أنْ صَرَخَ منَ الأَلَمِ ، وأخَذَ يتوسَلُ إليْها أنْ تَتْرُكَ رجلَهُ التّي كادت تَنكَسِرُ كلّما حاوَلَ الإفلاتَ. ولكنّ السّلحفاةَ اليَقِظةَ لمْ تأبَهْ لتأوهاتِهِ ، كما لمْ تَقْبَلْ وُعودَهُ لها بإعطائها السّلّةَ بكلّ ما فيها منَ الحلْوى.

ولما عادَتْ الحيواناتُ منَ الغابةِ وَجَدَتِ السّلحفاةَ ما زالَتْ مُمسِكَةً برِجلِ الثعلَبِ الذي قُدّمَ للمحاكَمَةِ ، فاستقَرّ رأيُ الحيوانات على قَتْلِهِ و الخَلاصِ منهُ ، وقالَ لَهُ الأَسَدُ : " سَنَتْرِكُكَ أيّها الماكِرُ الكسولُ حتّى صَباحِ الغَدِ ولكَ أنْ تَخْتارَ الطّريقَةَ التي تُفَضِّلَ الْموتَ بها

وفي صباح اليومِ التالي جيءَ بالثّعلب أمامَ الأسد فسألهُ عن الطريقةِ التي يُفَضَلُ الموتَ بِها ، فقال  الثعلَبُ  : لقد رأيتُ في إحدى المرّات  قِرداً وهو يُمْسِكُ بذيلِ فأر  ، ثمّ يلوّحُ بِهِ في الفضاء مرّات  ومرّات ، فوافقَ الجميعُ واختيرَ الضّبْعُ ذو اليَدينِ القَويّتين ليُنفّذَ الحُكمَ ، وكانَ الثعلبُ الماكر  قد دَهَنَ ذَيْلَهُ في الليلَةِ السّابقةِ ببعضِ الدُّهنِ الذي قُدّمَ لهُ في عشاءه الأخيرِ ، فما إنْ أمسَكَ الضّبْعُ بذيلِ الثعلب وبدأ يلوّحُ به في الهَواءِ ، حتّى أخَذ الذّيلُ ينزلِقُ بِسُرعةٍ من بين يدي الضّبْعِ  ، إلى أن أفلَتَ منهُ الثعلبُ وانقَلبَ الّضّبعُ على ظَهْرِهِ . أما الثّعلبُ فقد هَبَطَ في مكانٍ ناءٍ من الغابَةِ قبلَ أنْ يُدْرِكَ باقي الحيوانات حيلَتَهُ الماكِرَةَ التي أدّتْ إلى نجاتِهِ .

ومن ذلكَ اليَومِ لم يَقْرُبِ الثعلبُ الماكرُ  البئرَ، فقد كانت السّلحفاةُ ترابِطُ في حراسَتِهِ على الدّوام . 

النهر والشجرة والعصافير

 

 سال النهر صديقته الشجرة:

- لماذا أنتِ حزينة؟

 أجابت الشجرة:

- أوه، كيف عرفت؟

 

 قال النهر:

- عندما مرت الريح، قبل قليل، لم ترقص أوراقك وأغصانك رقصتها الجميلة، أخبريني لماذا أنتِ حزينة؟ ألستُ صديقك؟ والصديق لا يخفي عن صديقه أي شيء!

اهتزت أوراق الشجرة، ومال غصن حتى كاد يلامس صفحة النهر قالت:

- كل الأشياء تتحرك، أنت تمضي من مكان إلى مكان، ترى الدنيا وتشاهد الناس، والحيوانات... ولك.. كل شيء، أما أنا فجذري مغروس في الأرض، ثابتة في مكاني، لا أتحرك، أنا حزينة أيها النهر، حزينة لأنني بدأت أحس بالملل والضجر.

 

استمع النهر إلى صديقته الشجرة بانتباه، ومودة وقال لها: سأحاول أن أساعدك، فلا تحزني، عليّ الآن أن أواصل مسيري في مجراي حتى أصل إلى الوادي الكبير ثم إلى البحر، يجب أن لا أتأخر، فالكثيرون في انتظار وصولي! وداعا.

منذ ذلك اليوم، امتنعت الشجرة عن امتصاص المياه والطعام، فبدأ الشحوب والاصفرار على الشجرة، ولم تظهر براعم جديدة لأية زهرة. وهذا ما لم يحدث من قبل للشجرة.

حزن النهر كثيرا على صديقته، التي كان يراها تزداد اصفراراً يوما بعد يوم، ولكنه لم يستطع أن يفعل شيئا في البداية، فقد كان عليه أن ينحدر إلى الوديان، ويسير بين القرى لسقي الأرض، ويعطي المياه للكائنات.

 

فيما كانت حياة النهر تهدر ببطء من إحدى الصخور، وقف عصفور على قمة صخرة، وصاح:

- ما بالكَ أيها النهر تبدو حزينا على غير عادتك؟ أين سرعتك؟ وأين صوت خريرك الجميل؟

 

 دعني أصغي إليك، فلقد تعلمت منك لحنا جميلاً، أحبه زملائي العصافير في الغابة،

 صمت النهر قليلا.

ثم أصدر صوتا جميلا مليئا بالحزن، وأخبره بحكاية صديقته الشجرة.

هز العصفور جناحيه ورفع رأسه وزقزق طويلا، وقال:

- لدى فكرة أيها النهر الصديق!

ثم طار وهو يقول : " ستعرف غدا كل شيء"

وفي اليوم التالي، اصطحب العصفور مجموعة من العصافير: بلابل وكناري، وحطوا جميعا على الشجرة.

قال العصفور:

- أيتها الشجرة جئنا إليك من كل الغابات، ومن أعالي الجبال، فالنهر قد أخبرنا وهو صديق كل الطيور، وأنت أيتها الشجرة جميلة، مليئة بالأغصان، ولا نريد أن تحمل أغصان أية أوراق صفراء فهل تقبلينا أصدقاء لك؟

 فرحت الشجرة بأسراب العصافير والطيور وهتفت:

- أجل، فكيف أكون صديقة لكم؟

 قال العصفور ، بينما كان الجميع يزقزقون، وينشدون بفرح:

 " نحن نسكن بلادا بعيدة، وقد جاء الشتاء وستساقط الثلوج، ويشتد البرد، فهل تسمحين لنا بالإقامة بين أغصانك لتعطينا دفئك الجميل ولنضع البيض في أعشاشنا؟

 أضاف الكناري الصغير:

- ونربي صغارنا- أفراخنا بين أغصانك.

أكمل السنونو:

- وكلما طرنا، وعدنا، وسنروي لك ما نشاهده في الدنيا، سنغني لك ونشدو، ونغرد ونزقزق، ونحكي لك كل شيء عن الدنيا.

 

فرحت الشجرة كثيراً، وضمت أغصانها في حنان على أصدقائها العصافير وقالت:

- سأحميكم من الرياح، ومن أشعة الشمس حين تشتد حرارتها.

فرحت الشجرة، فرح النهر، خرجت العصافير، وبدأت تشدو وتغرد وعاد النهر يواصل سيرهُ إلى الوديان والحقول، والقرى، ويسقي من مياهه الأشجار والكائنات.

 

صفية تتعلم القراءة

صفية طفلة صغيرة تحب أصدقائها كثيراً  مؤدبة ولطيفة ومجتهدة في دروسها و تواظب على حل واجباتها اليومية معتمدة على نفسها 

عندما دخلت الصف الأول وعدتها والدتها بأن تحضر لها هدية جميلة حين تتعلم القراءة والكتابة



بالقرب من منزل صفية محل لبيع الدراجات الهوائية  ..كثيرا ما تمنت صفية أن تمتلك دراجة هوائية صغيرة فكانت تقف أمام لعبتها المفضلة .. تتخيل بأنها تركبها وتلعب فيها حول الساحة 
بالرغم من حبها للدراجة لم تخبر والدتها بأنها تتمنى أن تشتريها لأنها غالية الثمن

في صباح ذات يوم ..عندما كانت صفية نائمة ...أحست بأن أحدا حولها ..فتحت صفيه عينيها فرأت أمها تداعب شعرها وتبتسم 

قالت أم صفية: كنت قد وعدتك بأن أشتري لك هدية عندما تتقنين القراءةوالكتابة ..وقد وفيت بوعدي 

قفزت صفية جالسة.. وقالت فرحة مسرورة: حقا! أين هي

قالت الأم: انها تحت الوسادة 

في الحقيقة أحست صفية بخيبة أمل ..فلا بد بأن الهدية صغيرة جدا ...مدت صفية يدها تحت الوسادة بحزن عميق ..لكنها لم تجد هدية! ..لم يكن سوى ظرفا 
نظرت صفية إلى أمها مذهولة من هذه الهدية الغريبة ..

فقالت الأم: افتحي الظرف واقرئي ما فيه 

فتحت الظرف فوجدت رسالة مكتوب فيها

ابنتي الحبيبة المجتهدة

هديتك في المطبخ فوق الثلاجة

ابحثي عنها

نظرت صفية إلى أمها التي هزت كتفيها وقالت باسمة: هيا يا ابنتي ..اتبعي التعليمات 

ضحكت صفية وقالت: حاضر يا أمي 

ركضت صفية إلى المطبخ سحبت السلم نحو الثلاجة ..صعدت عليه..لم تجد هدية ... بل ظرفاآخر 

سحبت الظرف ونزلت من السلم وفتحته .. مكتوب فيه 

صفية الفتاة الطيبة

 هديتك في غرفة الاستقبال ابحثي عنها 

ضحكت صفية وقالت لأمها: أتلعبين معي يا أمي

ثم أسرعت إلى غرفة الاستقبال

 نظرت جيدا فوجدت ظرفا  آخر ..تناولته وفتحته

 مكتوب فيه

لن أطيل عليك يا حبيبتي

الهدية تنتظرك عند باب المنزل

ضحكت صفية وقالت: كم هي لعبة جميلة 

ركضت صفيه وفتحت باب المنزل فوجدت الدراجة التي تحلم فيها ..ثم أسرعت  أمهالتقبلها وتقول بفرح..إنها الهدية التي أحلم بها يا أميقالت الام  مهما تكن الهدية غالية الثمن يابنتي ،، إلا أنها ليست أغلى منكِ  

الثعلبُ الماكر والسُّلحفاةُ اليقظةُ

 

 جاء وقتٌ جَفَّت فيهِ  ينابيع الغابةِ وأنهارُها حتّى كادت الحيوانات تموتُ عطشاً ، وفَجأةً عَثَرَ بعضُها على يَنبوعٍ صغيرٍ يسيلُ منهُ خَيْطٌ منَ الماءِ في جهةٍ نائيةٍ من الغابةِ ، فَتَجَمَعتِ الحيواناتُ حَوْلَهُ ، وقرّرَتْ أنْ تَعْمَلَ عَلى تعميقهِ وتوسيعِهِ , وأخَذَ كلُّ حيوانٍ يعمَلُ بِجِدّ واجتهاد ما عدا الثعلبَ الكسولَ الذي كان يعمدُ دائِماً لخِداعِ غيره مِنَ الحيواناتِ ، ليَحُلَّ محَلَّهُ ويقومَ بأعمالِ الحفْرِ عنهُ . ولما فَرَغتِ الحيواناتُ من تَحويلِ اليَنْبوعِ إلى بئر ، قررَّت أنْ تَتناوبَ على حِراسةِ البئرِ ليلاً ونهاراً، حتى لا يَقْربَهُ الثّعلبُ  الكسولُ ، الذي لمْ يتعاونْ مَعَها في العَمَل .

وفي أول ليلةٍ وقَعَ الإختيارُ على الأرنَبِ ليقومَ بالحراسةِ ، وانصرفتْ بقيةُ الحيواناتِ لِتستريحَ ، ولما رأى الثّعْلَبُ المكانَ وقدْ خلا إلا منَ الأرنبِ ، خرجَ مِنْ مخْبئهِ وتقَدّمَ منَ الأرنبِ وحيّاهُ في شوْقٍ مُصطنَعٍ ، فرَدَّ عليهِ الأرنبُ التَّحيةَ بأدبٍ ؛ وجلسَ الثّعلَبُ وتناول منْ سَلّةٍ كانتْ معَهُ قِطْعةً مِنَ الحلوى وجَعَلَ يأكُلُ منها ، ثمَّ استدارَ للأرانبِ وقالَ لهُ : " إني لا أعطَشُ أبداً لأنّي عندما آكُلُ هذا الطعام يا صديقي العزيز أستغني تماماً عن الماءِ ولا أعودُ أشْعُرُ بأي عَطشٍ " ؛ فتطَلّعَ إليه الأرنبُ ونَظَرَ إلى ما يأكلُ بفُضولٍ ؛ ورجاهُ أنْ يُعطيَهُ قِطْعَةً منْ هذا الطعامِ العجيبِ ليتذوّقَهُ ؛ فاستجابَ لهُ الثّعلَبُ على نَحْوٍ منَ الكَرَمِ ، ولكنّهُ لمْ يُعْطِهِ إلاّ قطعةً صغيرةً جدّاً من الحلوى ، وعليْها قليلٌ من العَسَلِ ، فاسْتساغَ الأرْنَبُ طَعْمَها، وَرَجا الثّعلَبَ بإلحاحِ أنْ يُعْطيَهُ قِطْعَةً أخرى، فقالَ لَهُ الثّعلَبُ الماكِرُ : لا بأسَ في ذلكَ يا عزيزي ، ولكن قبْلَ أنْ أعطِيَكَ ذلكَ ، أريدُ أنْ أنبهَكَ إلى حَقيقةٍ هامّةٍ، وهي أنّكَ إذا ما أكَلْتَ قِطْعَةً كبيرةً منْ هذهِ الحلوى اللّذيذةِ ، فإنّ لذّةَ  مَذاقِها  ستجعَلكَ تَفْقِدُ توازُنَكَ ، لذلكَ يَنْبَغي قبلَ أنْ أعطِيَكَ ما تُريدُ أنْ تربَطَ يَدَيْكَ  وقدَمَيْكَ حتّى تحْتَفظَ بتوازُنكَ ، فوافقَ الأرْنَبُ على ذلكَ ، وطَلَبَ منَ الثّعلبِ أنْ يُساعِدهُ ، فلمّا أوثقَ الخبيثُ كِتافَهُ ، استدارَ نَحْوَ السَّلّةِ فأعادَ الحَلوى إليها وَ نَزَلَ إلى الماءِ فَشَربَ حتّى ارْتوى ، ثُمَّ انصَرَفَ

وفي الصّباح أقْبَلَتِ الحيواناتُ إلى اليَنبوعِ ، فإذا بالأرْنَبِ موثَقُ الرّجلَين و اليديْن ,ولما سُئلَ عمّنْ فَعَلَ به ذلكَ ، قَصَّ الخِدْعَةَ الّتي أوْثَقَهُ فيها الثّعْلَبُ ، فتضايقتِ الحيواناتُ كثيراً ووصفتْهُ بالغباءِ و التهاونِ في الحِراسَةِ ، ووقَعَ اخْتيارُها على الحِمارِ لِيَقومَ بالحِراسَةِ مكانَهُ في الليلَةِ القادِمَةِ ، ولما انْصرَفَتِ الحيواناتُ عادَ الثّعلَبُ فاستطاعَ بحيلَتِهِ أنْ يوثِقَ الْحِمارَ وَيَنْزِلَ الماءَ ما أرادَ ثُمّ انصرفَ . 

وفي اليَوْمِ التالي تطوّعتِ السُّلحْفاة لِحِراسَةِ البئر ، ولمّا جاءَ الثعلَبُ على عادَتِهِ ، حَيّاها بدهاء ، ولكنّ السّلحفاة لم تَرُدّ التحيّةَ ، وبعدَ مُحاولات كثيرةٍ لإستدراجِها إلى الحَديثِ معَهُ دونَ جَدْوى ، قَرَّرَ ضَرْبَها وتَنْحِيتَها عن البئرِ ليأخُذَ حاجَتَهُ من الماءِ بالقوةِ ، ولمّا همَّ بذلكَ فَتحت السّلحفاةُ فَمَها وأطبَقَتْ على رِجلِهِ بأسنانِها الحادّةِ ، فما لَبِثَ أنْ صَرَخَ منَ الأَلَمِ ، وأخَذَ يتوسَلُ إليْها أنْ تَتْرُكَ رجلَهُ التّي كادت تَنكَسِرُ كلّما حاوَلَ الإفلاتَ. ولكنّ السّلحفاةَ اليَقِظةَ لمْ تأبَهْ لتأوهاتِهِ ، كما لمْ تَقْبَلْ وُعودَهُ لها بإعطائها السّلّةَ بكلّ ما فيها منَ الحلْوى.

ولما عادَتْ الحيواناتُ منَ الغابةِ وَجَدَتِ السّلحفاةَ ما زالَتْ مُمسِكَةً برِجلِ الثعلَبِ الذي قُدّمَ للمحاكَمَةِ ، فاستقَرّ رأيُ الحيوانات على قَتْلِهِ و الخَلاصِ منهُ ، وقالَ لَهُ الأَسَدُ : " سَنَتْرِكُكَ أيّها الماكِرُ الكسولُ حتّى صَباحِ الغَدِ ولكَ أنْ تَخْتارَ الطّريقَةَ التي تُفَضِّلَ الْموتَ بها

وفي صباح اليومِ التالي جيءَ بالثّعلب أمامَ الأسد فسألهُ عن الطريقةِ التي يُفَضَلُ الموتَ بِها ، فقالَ الثعلَبُ : لقد رأيتُ في إحدى المرّاتِ قِرداً وهو يُمْسِكُ بذيلِ فأرٍ ، ثمّ يلوّحُ بِهِ في الفضاء مرّاتٍ ومرّات ، فوافقَ الجميعُ واختيرَ الضّبْعُ ذو اليَدينِ القَويّتين ليُنفّذَ الحُكمَ ، وكانَ الثعلبُ الماكر  قد دَهَنَ ذَيْلَهُ في الليلَةِ السّابقةِ ببعضِ الدُّهنِ الذي قُدّمَ لهُ في عَشائِهِ الأخيرِ ، فما إنْ أمسَكَ الضّبْعُ بذيلِ الثعلب وبدأ يلوّحُ به في الهَواءِ ، حتّى أخَذ الذّيلُ ينزلِقُ بِسُرعةٍ من بين يدي الضّبْعِ  ، إلى أن أفلَتَ منهُ الثعلبُ وانقَلبَ الّضّبعُ على ظَهْرِهِ . أما الثّعلبُ فقد هَبَطَ في مكانٍ ناءٍ من الغابَةِ قبلَ أنْ يُدْرِكَ باقي الحيوانات حيلَتَهُ الماكِرَةَ التي أدّتْ إلى نجاتِهِ .

ومن ذلكَ اليَومِ لم يَقْرُبِ الثعلبُ الماكرُ البئرَ، فقد كانت السّلحفاةُ ترابِطُ في حراسَتِهِ على الدّوام . 

قصة الديك المغرور

 

وقف الديك كعادته نافش الريش فرحاً مختالا وهو يصيح مع إطلالة صباح جديد .. كان يغيظ ديكاً آخر تغير صوته في المدة الأخيرة

 ولم يعد باستطاعته أن يشارك الديك المغرور الصياح عند الصباح.. حاول كثيرا أن يعيد صوته إلى سابق عهده ، لكن دون جدوى

 في كل مرة كان صوته يخرج خافتا مجروحا .. وكان يطيب للديك المغرور أن يهزأ من جاره بكل الوسائل الممكنة .. حتى أنه كثيرا

ما أخذ يشتمه دون سبب ، ولم يكن الديك الذي أصيب صوته محبا للشجار ، لذلك كان يؤثر الصمت ، ويمضي إلى الحقل القريب حزينا

يشكو للأشجار والأزهار همه ، ويرجو الله أن يعيد له صوته كما كان من قبل


في صباح أحد الأيام قال الديك المغرور مزهوا وهو يخاطب الديك الثاني


أنا أستغرب أن تبقى مقيما هنا حتى الآن ، ما الفائدة منك ؟؟ الأفضل أن ترحل بعيدا ، اسمع صوتي الجميل وفكر هل تستطيع أن

 تكون مثلي في يوم من الأيام ..أنت ديك مريض وستبقى كذلك ، وسأبقى أفضل منك بكثير

ًأجابه الديك الآخر حزينا مستاء
لا أنكر أنك تملك صوتا جميلا ، صدقني أنا أدعو الله العزيز أن يديمه لك .. لكن أيها الجار لماذا كل هذا

 التكبر ، هل من الجائز أن تتباهى بما وهبك الله مختالاً فخوراً متكبرا
قال الديك المتعجرف
كل هذا الكلام لا فائدة منه ، أنت ديك مريض وستبقى كذلك ، وأنا أملك أجمل صوت وسأبقى كذلك
مضى الديك الثاني حائرا حزين القلب .. قال يخاطب نفسه
 لماذا يفعل جاري الذي عرفته منذ مدة طويلة ما يفعله.. كل واحد منّا معرض للمرض ، فهل يعني ذلك أن يكون كل واحد منا ضد الآخر في مرضه

 أم من الواجب أن نكون معاً في مواجهة كل شيء .. سبحان الله ، لا أدري ماذا أفعل مع هذا الجار .. على كلٍ سامحه الله ، ولا أتمنى له إلا كل خير ..

ومرت الايام  بسرعة ، فقد تغيرت أشياء كثيرة ، وتبدلت أحوال كثيرة .. من ذلك أن الديك المغرور فقد صوته تماما ، ولم يعد باستطاعته

 الصياح كل صباح كما كان يفعل من قبل .. بينما عاد الصوت بكل جماله وبهائه وروعته للديك الثاني ، لكنه كان الجار الحنون القريب من جاره

 وكان يواسيه بكل الطرق الممكنة ، ويرجو الله أن يعيد له صوته كما كان .. حتى أنه ، احتراما لمشاعر جاره ، كان يبتعد قدر المستطاع

كلما أراد أن يطلق صوته الجميل.. وكان الجار المتعجرف يشعر بالندم على ما بدر منه من قبل

بعد أن رأى كيف يعامله الديك الذي عاد له صوته
ومع الأيام ، عاد الصوت للديك الأول ، لكنه تعلم أن يكون كريماً عطوفاً محباً لجيرانه .. ومع كل صباح كان يرتفع صياح الديك

 الأول ليجيبه الديك الثاني ، وبقيت الصداقة بينهما جميلة رائعة ، حيث بقي كل واحد منهما يحب الثاني كل الحب

 

الجمل الطيب



في غابة بعيدة، كان أسد قوى الجسم ، طيب القلب، يعيش وسط مملكته سعيداً هانئاً، ويحبه جميع الحيوانات ويحترمونه. ومن بين هذه الرعية، ذئب وثعلب وغراب.

كانوا مقربين لملكهم الأسد، بفضل دهائهم وتملقهم له؛ فكلما غنم الأسد بصيد وفير، انتظروا حتى ينتهي من طعامه ويشبع، ثم يأكلوا ما تبقى منه. وإذا جلس في عرينه، التفوا حوله يقصون عليه حكايات مسلية وفكاهات وطرائف، فيدخلون السرور إلى نفسه ويضحك من كل قلبه. وأصبح الأسد لا يقدر على فراق أصحابه الثلاثة، فهم مصدر تسليته الوحيدة ومتعته الفريدة.

وفى يوم من الأيام، مرت قافلة تجار بالقرب من الغابة، وتخلف جمل من جمال القافلة عن اللحاق بها، وضل الطريق، وأخذ يسير دون هدف إلى أن وصل إلى حيث يجلس الأسد في عرينه .


أحس الجمل برعب وفزع شديدين.

قال الأسد: لا تخف أيها الجمل، كيف جئت إلى هنا؟ وماذا تريد؟

شعر الجمل بالاطمئنان قليلاً وحكى قصته. ثم قال: إن كل ما أريده يا سيدي هو حمايتك.

قال الأسد: أعدك بحمايتك ورعايتك، فأنت اليوم من رعيتيي، بل من أصدقائي المقربين.

شكره الجمل لكرمه . وانضم الضيف إلى مجلس الأسد .

مرت الأيام وازدادت صداقة الجمل والأسد وتوطدت. وفى يوم ذهب الأسد للصيد، وكانت الفريسة هذه المرة فيلاً فتقاتل معه.



وأصيب الأسد إصابة بالغة وجرح جرحاً كبيراً، وعاد ودماؤه تسيل، رقد في فراشه، والتفّ حوله أصدقاؤه يداوون جراحه ويخففون آلامه .



ظل الأسد مريضاً، لا يغادر مكانه أياماً بدون طعام، فساءت حالته وأصبح ضعيفاً هزيلاً. أما الذئب والثعلب والغراب، فكان كل اعتمادهم على طعام الأسد. ولم يفكر هؤلاء الأشرار في البحث عن الطعام، والسعي في الغابة وراء صيد يشبعهم ويشبع الأسد معهم؛ لقد اعتادوا الكسل ولا يريدوا أن يتعبوا.

كان قلب الجمل يتمزق لحال الأسد، ولكنه لا يملك أن يفعل شيئاً، فذهب إلى أصدقاء الأسد وقال:

إن حالة مليكنا تسوء يوماً بعد يوم، لابد أن نجد حلاً سريعاً، والحل في أيديكم؛ فأنتم تملكون القدرة على الصيد والقنص، فلماذا لا تذهبون إلى الصيد، ويأتي كل منكم بفريسة ما تقدمونها للأسد، وتأكلوا منها، ويشبع الجميع، وتستردون قواكم وعافيتكم، وتردون بذلك بعضاً من جميل مليكنا عليكم؟

قال الثعلب: معك كل الحق أيها الجمل الطيب، ولكننا كما ترى ضعفنا ولم نعد نقوى على السير لخطوة واحدة، ولكننا نعدك أن نتدبــر الأمر ونحل هذه المشكلة.

اجتمع الذئب والثعلب والغراب واتفقوا سوياً على أمر، وذهبوا إلى الأسد في غياب الجمل.



قال الذئب: مولاي الملك، إن حالتك أصبحت سيئة، ولا نستطيع أن نراك هكذا تتعذب وتتألم.

قال الغراب: إني أرى يامولاي، إن أفضل حل هو إن تأكل الجمل، فهو صيد ثمين، وفير اللحم ، يشبعك ويعافيك.

قال الأسد غاضباً: كيف تجرأون على هذا القول؟ آكل الجمل؟! كيف؟ ليس هذا من صفاتي وطباعي! أخون من استأمنني؟ لا! هذا محال!

قال الثعلب: ولكن يا مولاي إن الظروف هي التي اضطرتنا إلى ذلك، فلولا مرضك ما لجأنا لأكل صديقنا.

قال الأسد: مهما كانت الأسباب، لا انقض العهد. ولا أخون من استأمننى على حياته وروحه. إنى أفضل الموت جوعاً. ولا أخون صديقي.

انصرف الثلاثة، وأخذوا يتشاورون ويتناقشون. ووصلوا إلى فكرة شريرة خبيثة؛ استدعوا الجمل..

وقال له الثعلب: إن كلامك أثر فينا تأثيراً كبيراً، فنحن جميعاً فداء لمولانا الملك فهيا يعرض كل منا عليه ليأكله، وله أن يختار من يأكله، وبذلك نكون قد وفينا بديننا، وقدمنا من جميله علينا.

وافقهم الجمل على هذا الرأى ورحب به. وذهبوا جميعاً إلى حيث يرقد الأسد.

قال الغراب: إنى فداك يامولاي، وأكون سعيداً مسروراً إذا وافقت أن تأكلني.

قال الذئب: إن لحمك سيء وجسمك نحيل، لا يشبع ولا يفيد. أما أنا يامولاى حجمي كبير وأصلح طعاماً شهياً لك.

قال الثعلب: إن من أراد قتل نفسه فليأكل لحم الذئب، أما أنا يا مولاى أصلح لأن أكون طعاماً جيداً لك.

قال الذئب والغراب والجمل : إن لحمك خبيث مثلك، لا يصلح لطعام مولانا الملك.

قال الجمل : أما أنا يامولاي فلحمي شهي وفير، إذا اكلتنى تشبع وتشفى.

فانقض عليه الجميع واكلوه.



وبذلك وقع الجمل الطيب الساذج، فريسة للخطة الشريرة التي رسمها الأشرار الثلاثة الذئب والثعلب والغراب.

الغراب والثعلب المكار




في احد الايام وقف غراب اسود الريش ذو منقار اصفر رفيع

وجسم ممتلئ، تبدو عليه علامات الطيبة

وقف على شجرة عالية كثيرة الاغصان في وسط حديقة 

 جميلة اشجارها كثيفة، وارضها فسيحة خضراء تكثر فيها الطيور   المغردة

و الزهور الملونة و قد و ضع في فمه  قطعة جبن صفراء

و في تلك الاثناء مر ثعلب رمادي الفراء عيناه غائرتن

وفكه كبير و اسنانه حادة و جسمه نحيل من شدة الجوع

يبدو عليه المكر و الحيلة و الدهاء.

اراد الثعلب خداع الغراب للحصول على قطعة الجبن

ولأنه يعلم ان الشجرة عالية، وهو لا يستطيع الطيران للوصول الى الغراب

طلب منه ان يغني ليستمتع بصوته الجميل وما ان فتح الغراب فاه حتى

 وقعت قطعة الجبن في فم الثعلب الذي جرى و هو يشعر بالفخر و الانتصار

 

أنا النمر

 خَرَجَ الأرنَبُ الصغيرُ لأولِ مرةٍ باحِثاً عَنْ طَعَامٍ و شَرابٍ له ، بعْدَ أنْ استأذنَ منْ أمِّهِ، وأثناءَ الطَّرِيقِ قالَ في نفْسِهِ: لنْ أنسَى وصيةَ أُمِّي أبداً : " أن آخذَ حَاجَتي فقط وألا أعْتدي على أحدٍ ". قطَعَ مَسافةً قَصيرةً في الغَابةِ ، أعْجَبتهُ الأشجَارَ والأزْهارَ الجميلَةَ ، فتابَعَ سَيْرَهُ يَتَفَرجُ على الْمَنَاظِرِ الْخلابَةِ ، شَعَرَ بالأمَانِ فقطَعَ مسافةً أطولَ ..

بالقربِ مِنَ الصُّخُورِ العَاليةِ صَادَفَ مَجْمُوعةَ ثعَالبٍ تَلْعبُ و تَمْرحُ ، اقتَربَ منها بهدوءٍ ، فسألَه رئيسُها:

 مَنْ أنتَ أيُّها القادمُ؟ أجَابَ الأرنبُ الصَّغيرُ مستغرباً: ألا تَعْرفُني ؟!

ردَّ رئيسُ الثعالبِ : كيفَ أعرفُكَ دونَ أنْ أراكَ مِنْ قبلُ ؟!

أجابَ الأرنبُ بثقةٍ : أنا النَّمِرُ.

 نظر اليه رئيسُ الثَّعالبِ بحذرٍ، ثم ابْتعدَ عنْه قليلاً ، فكّرَ في نفسِهِ ، وقالَ :

لو لمْ يَكنْ بالفعلِ النمرُ الشجاعُ لما تَجرَأَ وحضَرَ إلى مَجْمُوعتِنا الكَبيرةِ متحدِياً قُوتنا .

اقترَبَ رئيسُ الثعالبِ من البَقيةِ ، و أخبَرَهم بالخطرِ المحدقِ بهم ، وطَلبَ منْهم الهروبَ مباشرةً و النجاةَ بأنفسِهم مِنْ هَذا الوحشِ الذي سمعُوا عَنْ قُوتهِ كثيراً ، ففرُوا هَاربينَ ، ليبقى الأرنبُ وحيداً .

لعِبَ الأرنَبُ الصَّغيرُ قَلِيلاً ، وتَناوَلَ حاجتَهُ مِنَ الخُضَارِ الْمَوجودِ في الْمَكانِ ، ومضَى في الغابةِ يستمتعُ بجمالِها.

بَعْدَ أنْ قَطَعَ مَسَافةً قَصِيرةً ، صَادَفَ مَجمُوعةَ غزْلانٍ تستريحُ بالْقربِ مِنَ الْبُحيرةِ ، اقتَربَ منْها بهدوءٍ وشجاعةٍ، تفاجأتْ به ، فهَبَّ رَئِيسُهم وسألَهُ : مَنْ أنتَ أيها القادمُ إلى وَاحةِ الغُزلانِ ؟

 أجَابَ الأرنبُ بثقةٍ: أنا النمرُ.

خَافَ الرَّئيسُ ، ابتَعدَ عنْه ، وأخْبرَ الْبقيةَ بأمرِ هذا الوحشِ ، وطلبَ منْهم النجاةَ بأنفسِهم، فهربوا ، ليجدَ الأرنبُ الصغيرُ نفسَهُ مرَّةً أخْرَى وحيداً، استراحَ قليلاً في الْواحةِ ، ومضَى.

صَادفَ في طريقِ عَودتِهِ إلى مَنزلِه وحشاً كبيراً ، مَرَّ بجَانبِهِ ، سلّمَ عليه بهدُوءٍ واطمئنان ، وتابعَ سَيْرَهُ ، استَغربَ الوحشُ تصرفَهُ ، وعدمَ الخوفِ منه، وقالَ في نفسِهِ: لمَاذا لمْ يخفْ منِي ؟!

أسْرعَ الْوَحشُ ولَحِقَ بهِ ، استَعَدَ لضربِهِ مباشرةً، لكنهُ انتظرَ ، وفَكرَ : أريدُ معرفةَ سِرَّ شجاعتهِ. اقتَربَ منهُ ، وطَلَبَ أن يتَوقْفَ ، فوقَفَ ، ونَظَرَ إلى الْوحشِ الكاسِرِ باحتِرامٍ ، وسألَهُ ماذا يُرِيدُ منه ، ولماذا لَحِقَ بهِ ، لم يُجبْهُ الْوحشُ الْكَاسِرُ، وسألهُ غاضباً: مَنْ أنتَ أيُّها المسكينُ؟

 نَظرَ إليه الأرنبُ الْصَّغِيرُ باعتزازٍ ، معتقداً أنه سيهربُ منه كما هربتْ الثعالبُ و الْغزلانُ دونَ أنْ يُفكرَ بالسَّببِ ، وأجابَ: أنا النمرُ. ضَحِكَ الوحّشُ سَاخِراً ، وسَألَ منْ جَدِيد: هلْ تَعرفُنيْ أيُّها الصغيرُ؟

 لا أعرفُ أحداً في هذه الغابةِ. سألَ الوحشُ: ألا تعرِفُ مَن  هو النَّمِرُ؟

ردَّ الأرنبُ الصَّغِيرُ بثقةٍ: أنا ، أنا النمرُ . استغربَ الوحشُ ثِقتَه الزَّائدةِ ، وسألَهُ: مَنْ قالَ لكَ ذلكَ؟

 أجابَ الأرنبُ الصَّغِيرُ: أُمِّي، أُمِّي هي التي قالتْ لِي، وطلَبتْ مني أنْ أحترمَ الآخرين.

هزَّ الْوحشُ رأسَهُ ، وقالَ: هيّا معي إلى أُمِّكَ.

ذهَبا إلى بيتِ الأرنبِ ، وعندمَا وصَلا ارتعبَتْ الأُمُّ، وقالتْ في نفسِها: لقد جَلَبَ لي ابني معَه الهلاكَ.

اقتَربَ الابنُ ، وأشارَ إلى أُمِّهِ ببراءةٍ: هذه هي أمِّي .

سألَها النَّمِرُ: لماذا أسميْتهِ بهذا الاسمِ؟ ارتبكَتْ ، ثم بكَتْ ، استغربَ ابنُها سببَ بكائِها، كررَ النمرُ السُؤالَ، فأجابتْ:

حباً بك أيُّها النمرُ الطَّيبُ، لم أجدْ اسماً أجْملَ مِنْ اسمِكَ أُسمِي به ابني الغالِي .

حَكَى الأرْنبُ الصَّغيرُ لَهما ما جَرَى معه بالتفصِيلِ ، وفهمَ منْ أمِّهِ ، لماذا هَرِبتْ منْه الثّعالبُ والغزلانُ ، ارتَاحَ النَّمرُ للحِكايةِ ، وقَبِلَ بتبرِيرِ الأمِّ الذَّكِيَةِ ، ثم شَكرا النَّمِرَ على قبولِه بأنْ يكونَ صَدِيقاً دائماً لهما.

قالتْ الأُمُّ : لولا اسمُك الجميلُ الذي أوحَى لهم بقوتِك لقتلوا ابني . فَهِمَ النَّمِرُ حكايةَ الأُمِّ التي تحبُّ ابنَها كثيراً ، وتحترمَ قوتَه ، وقَالَ: أحسنتِ أيُّها الأُمُّ، وأنا مستعدٌ دائماً لمساعدتِكما.

فَرِحَتْ بكلامِهِ، شكَرتْه مرَّةً أخرى ، ضمَّتْ ابنها ، وهي تُراقِبُ النَّمِرَ الذي رَاحَ يَبتعِدُ عنْ مَنزلِها راضِياً .

السلحفاة سوسو

في غابة صغيرة عاشت مجموعات كثيرة من السلاحف حياة سعيدة لعشرات السنين

 

الغابة هادئة جدا فالسلاحف تتحرك ببطء شديد دون ضجة

 

السلحفاة الصغيرة سوسو كانت تحب الخروج من الغابة والتنزه بالوديان المجاورة ..

 

رأت مرة أرنبا صغيرا يقفز و ينط بحرية ورشاقة ..

 

تحسرت سوسو على نفسها ..

 

قالت : ليتني أستطيع التحرك مثله .. إن بيتي الثقيل هو السبب .. آه لو أستطيع التخلص منه ..

 

قالت سوسو لأمها أنها تريد نزع بيتها عن جسمها ..

 

قالت الأم : هذه فكرة سخيفة لا يمكن أن نحيا دون بيوت على ظهورنا ! نحن السلاحف نعيش هكذا منذ أن

خلقنا الله

 

فهي تحمينا من البرودة والحرارة والأخطار ..

 

قالت سوسو : لكنني بغير بيت ثقيل لكنت رشيقة مثل الأرنب ولعشت حياة عادية ..

 

قالت : أنت مخطئة هذه هي حياتنا الطبيعية ولا يمكننا أن نبدلها ..

 

سارت سوسو دون أن تقتنع بكلام أمها ..

 

قررت نزع البيت عن جسمها ولو بالقوة ..

 

بعد محاولات متكررة .. وبعد أن حشرت نفسها بين شجرتين متقاربتين نزعت بيتها عن جسمها فانكشف

 

ظهرها الرقيق الناعم …

 

أحست السلحفاة بالخفة ..

 

حاولت تقليد الأرنب الرشيق لكنها كانت تشعر بالألم كلما سارت أو قفزت..

 

حاولت سوسو أن تقفز قفزة طويلة فوقعت على الأرض ولم تستطع القيام ..

 

بعد قليل بدأت الحشرات تقترب منها و تقف على جسمها الرقيق …

 

شعرت سوسو بألم شديد بسبب الحشرات …

 

تذكرت نصيحة أمها ولكن بعد فوات الأوان …

 

 

سامحوني أحبتي

سامحوني يا أحبتي 

أقبل الربيع وزقزقت العصافير واخضرت الأرض، وتلونت بالأصفر والأحمر والبنفسجي

وغمزت الشمس بعينها للناس كي يخرجوا ويستمتعوا بعبير الربيع الفواح .

 

اتفقت الأسرة على الذهاب إلى منتزه جميل، فيه الأشجار والألعاب الكثيرة

أخذ أحمد ومحمد ولبنى يحضرون أدوات الرحلة فأخذوا معدات الشواء

أما مهند فلم يساعدهم في شيء، إلا أنه أحضر الكرة ولعبة التنس، ولبس ملابس الرياضة وكلما طلبت منه أمه شيئاً يتشاغل بلعب الكرة، وكأنه لا يسمع نداء أمه .

وصلت الأسرة إلى المتنزه وبدأ الأولاد بمساعدة والدهم، وإنزال الأغراض إلا مهند، الذي أخذ الكرة وبدأ يلعب بها

ناداه والده، فقال مهند :

يا بابا نحن جئنا للمنتزه لألعب لا لأساعدكم

 

غضب الوالد من مهند وقال له :  

ساعدنا أولاً ثم العب ما شئت

قالت له أخته لبنى : يا مهند لا تكن أنانياً، ساعدنا أولاً، أخشى أن يغضب الله منك لأنك أغضبت والديك، ويحرمك من متعة التنزه

ضحك مهند ضحكة استهزاء، ورمى الكرة بعيداً، وأخذ يلحق بها، ويلحق ويلحق دون فائدة .

و فجأة جاءت سيارة مسرعة، كادت تدهس مهند لولا لطف الله، ولكنها أوقعته أرضاً وسالت الدماء من جرح في ركبتيه، ثم دهست الكرة ومزقتها  ، صاح مهند من الألم، وبدأ يصرخ ويصرخ كي يساعده أبوه وإخوته

ركضت الأسرة جميعها إلى مهند، وحمله والده وهو يحمد الله أن مرّت هذه الحادثة بسلام .

غسل أبو مهند الدماء عن رجله، وضمدها له، ودموع الفرحة قد غمرت عيني أمه وإخوته، لأن الله نجّاه من الدهس.

نظر مهند إلى لهفة أهله إليه من حوله، وشعر بتأنيب الضمير لأنه لم يسمع كلامهم ولم يساعدهم وكأنه غريب عنهم، بل واستهزأ بأخته

بكى مهند وهو يقول : سامحني  يا بابا وسامحيني ياماما وسامحوني إخوتي.. كنت دائماً أنانياً معكم، لقد عاقبني الله لسوء تصرفي معكم، إن الله لا يحبني . قالت أم مهند وهي تبكي من الفرح :

لا يا حبيبي.. الله يحبك، ويحبك كثيراً، لأنه نبهك إلى سوء خُلُقك من خلال هذه الحادثة البسيطة ،وعليك أن تسجد سجدة شكراً لله لأن الله نجاك من حادث مروع.

صاح الجميع :

الحمد لله.. الحمد لله

 

 

ذكاء حصان 


وقع حصان أحد المزارعين في بئر ماءٍ عميقة، ولكنها جافة

 وأجهش الحيوان بالبكاء الشديد من الألم من أثر السقوط

واستمر هكذا لعدة ساعات كان المزارع خلالها يفكّر كيف ينقذ الحصان.

لم يستغرق الأمر طويلاً كي يُقنع نفسه بأن الحصان قد أصبح عجوزًا

وأن تكلفة استخراجه تقترب من تكلفة شراء حصان آخر

 هذا إلى جانب أن البئر جافة منذ زمن طويل وتحتاج إلى ردمٍ بأي شكل.

وهكذا، نادى المزارع جيرانه وطلب منهم مساعدته في ردم البئر

كي يحل مشكلتين في آن واحد

 التخلص من البئر الجاف ودفن الحصان

وبدأ الجميع بالمعاول والجوارف في جمع الأتربة والنفايات وإلقائها في البئر في بادئ الأمر.

أدرك الحصان حقيقة ما يجري حيث أخذ في الصهيل بصوت عال يملؤه الألم وطلب النجدة

 وبعد قليل من الوقت اندهش الجميع لانقطاع صوت الحصان فجأة

 وبعد عدد قليل من الجوارف، نظر المزارع إلى داخل البئر وقد صعق لما رآه.

فقد وجد الحصان مشغولاً بهز ظهره كلما سقطت عليه الأتربة

فيرميها بدوره على الأرض ويرتفع هو بمقدار خطوة واحدة لأعلى

وهكذا استمر الحال،

الكل يلقي الأوساخ إلى داخل البئر فتقع على ظهر الحصان فيهز ظهره فتسقط على الأرض حيث يرتفع خطوة بخطوة إلى أعلى.

 اقترب الحصان من سطح الأرض حيث قفز قفزة بسيطة وصل بها إلى سطح الأرض بسلام.

 

قصة الفار الطماع

No Image Available
، شاهدَ فأرٌ  فلاحاً عندهُ منزل ومخزن لوضع القمح

فقال الفأر أنا أحب هذا المنزل ، وهذا المخزن ، ولكن هناك قطة في المخزن تحرسه

 وبما أن الفأر يحب القمح ، فكر وجاء إلى المنزل الذي بناه الفلاح ، قام بعمل سرداب تحت المخزن

وجلس الفأر تحت السقف يفكر كيف يصل للقمح من غير أن يقع في يد القطة

 سقطت على أنفه حبة قمح ٍ،ففرح الفأر وقال الأرض فيها شق

إن قمح المخزن يقع من الشق حبة حبة  ، ومر يوم وقال بدلاًمن حبة حبة كل يوم نجعلها اثنين

 كل يوم  ، فقرض الفأر خشب سقف المخزن وخرج من الفتحة حبتين حبتين

وفي اليوم الثالث فكر الفأر وقال بدلاً من اثنين نجعلها ثلاثة ، قام   الفأر بقرض الخشب ونزلت حباتٍ ثلاثة

فقال الفأر لماذا لا نجعلها  خمسة... وسبعة... وتسعة ....والفأر يقرض والفتحة تكبر

ثم جلس الفأر ليستريح وأغمض عينيه ثم فتحها فوجد أمامه القطة  التي نزلت من الفتحة الكبيرة التي صنعها

No Image Available

. إن الفأر كان يريد عشر حبات قمح فنزلت له قطة

. الطمع أنساه وجعله لا يفكر